العراقيون في المنفى...
هموم وتعقيدات ومشاكل اجتماعية، ما هي الحلول والإجراءات للتخلص منها؟
(ايمانا من صحيفة البيت العراقي واهتمامها بمشاكل العراقيين في المنفى، تلك المشاكل الاجتماعية والثقافية والنفسية الناجمة عن المعايشة في بلد غريب يختلف كل الإختلاف مع التقاليد والقيم والتربية والثقافة العراقية، بالإضافة إلى مشاكل تكافؤ الفرص والبطالة ومساواة ذوي الشهادات الجامعية. تفتح باب الحوارات الهادفة بهذا الخصوص، وتحث جميع الباحثين والكتاب والسياسيين لإعطاء هذا الموضوع الأهمية اللازمة خدمة لأبناء الجالية وتوضيح بعض الأمور الملتبسة في مجال العلاقات الإنسانية والأسرية وقضايا التكامل مع المجتمع الهولندي. وبالتأكيد سوف تمثل وتعبر جميع الأفكار والمقالات أصحابها. وهنا نضع أولى المقالات بهذا الخصوص راجين تفاعل الجميع إغناءً للحوار الهادف.)
عبد الرزاق الحكيم
لم يسبق أن شهد وطننا هجرة واسعة لأبنائه إلى الخارج، كما حصل ولا يزال يحصل من تهجير قسري لمئات الالوف من العراقيين ومن الأكراد (الفيلية والشيعة العرب) بذرائع شتى، كالتبعية الإيرانية، ورافقت هذه العمليات هجرة الالوف من المواطنين الآخرين لأسباب سياسية من جراء الملاحقات البوليسية والإعتقالات الاعتباطية، والقتل تحت االتعذيب لكل من يشتبه بمعارضتهم للنظام، أو حتى مجرد عدم موافقتهم على الإنخراط في حزب السلطة والقبول بسياساته المنافية لمصالح الوطن والشعب. غير أن مآسي الحرب وتفاقم الإضطهاد السياسي والقومي والديني والطائفي وفقدان الأمن وشيوع الجريمة، والعيش على حافة الجوع، كل ذلك ولد حالة من الخوف والإحباط من المستقبل، مما حمل فئات واسعة من أبناء الشعب العراقي على الهجرة إلى الخارج وبأي ثمن، وخصوصا في أعقاب غزو الكويت وقمع إنتفاضة آذار المجيدة عام 1991. والحصار الاقتصادي المضروب على الشعب العراقي الذي تسبب بصعوبات حقيقية للعيش داخل الوطن. وشهد أقليم كردستان أيضا في السنوات الأخيرة هجرة متزايدة بسبب الإقتتال الداخلي والحصار المزدوج وإهمال مصالح الجماهير الكردستانية.
أن هذا النزيف البشري الذي شمل نسبة كبيرة من المتعلمين والكوادر العلمية والفنية والثقافية، كلف ويكلف شعبنا الكثير، وأن التهجير القسري بشتى الذرائع والسبل هو إنتهاك فظ لحقوق الإنسان، وخسارة كبيرة تلحق بالشعب والوطن، زيادة على خسائر حروب صدام المريرة.
إننا ننظر للهجرة إلى الخارج بوصفها ضاهرة اجتماعية قسرية، عاملا مضرا بمصالح الوطن العليا، ونناضل ضد أسبابها، وعلينا واجب العمل على تعزيز الصلة بالجاليات العراقية في مختلف المنافي، وشدها للوطن بمختلف التنظيمات والفعاليات، والعمل على إشراكها في النشاطات المعادية للدكتاتورية، وتربيتها بروح العودة إلى الوطن والإسهام المباشر في إعادة بنائه وتحقيق إزدهاره في ظل عراق المستقبل الديمقراطي.
أن إختلاف تقاليد وسلوكيات مجتمعنا عن المجتمعات الأوربية، يخلق صراعات نفسية وتعقيدات كبيرة سببها الأساسي، إختلاف المستوى الثقافي والقيم والعادات والتقاليد، بالإضافة إلى إختلاف المنافي وطرق المعيشة والعلاقات الاجتماعية وعلاقات الآباء والأبناء وأنماط السلوك الاجتماعي والنظرة إلى المرأة ومناهج التعليم.... الخ.
أولى المشاكل التي تجابه العائلة والفرد، هي اللغة الجديدة التي تعرقل إقامة علاقات مع المجتمع الجديد، مع الجيران، المؤسسات الخدمية والعلاقات بالبلدية والمدرسة.. إن تعلم اللغة الجديدة بالتأكيد سوف يخفف من معاناة الوالدين، وهي صعوبة تواجه الكثير من العوائل والأفراد. إن الشبيبة والأطفال يمكنهم وعن طريق التحاقهم بالمدارس من تجاوز هذه المشكلة بعد فترة قصيرة نسبيا، ولكن تبقى المشكلة قائمة بالنسبة للآباء والعناصر المتقدمة بالعمر، بالإضافة إلى مشكلة إختلاف القوانين والدستور والتقاليد حول علاقة هؤلاء الأبناء بالأسرة خاصة بالنسبة للشباب بعد إكمال سن الرشد القانونية وفي أوربا لغاية 16 عاما، حيث القانون يجيز السكن للشابة أو الشاب منفصلا عن أسرته إن أراد ذلك، مما يشكل مخالفة لتقاليدنا تجاه المسؤولية عن الأولاد والبنات.
فالأطفال والشبيبة من السهولة أن يتفاعلوا ويندمجوا في المجتمع الجديد الذي يفسح المجال للتعليم وإستعمال الكومبيوتر، ومنجزات العلم والحضارة والتربية الرياضية وغيرها من وسائل الراحة. وهكذا يبدأ الصراع بين الآباء وأبنائهم، فالعادات والتقاليد الاجتماعية والدينية في البلد الأصلي، ونزعة السيطرة الأبوية وفرض إرادتهم على أبنائهم، علما بأن الأبناء يرفضون الاسلوب التسلطي، خاصة بعد تعرفهم على أقرانهم من زملائهم الأوربيين. فترى الأبن الشاب أو الشابة، يرفضان الأمر القسري بدون المناقشة والإقناع، وهذه معضلة كبرى أمام الأهل يصعب عليهم استيعابها.
المشكلة الأكثر تعقيدا هي حالة الفتاة الشابة، فالوالدان لديهم خوف كبير من عادات المجتمع الجديد والحرية الكاملة في إختيار الصديق والعلاقات الجنسية التي يكفلها القانون وتقاليد المجتمع، والتي تتيح كل شئ للفتاة، كما للفتى، لذا تجد الأهل يفكرون بعقد صفقات زواج غير متكافئ للتخلص من البنت قبل (الانفلات) منهم وصعوبة تحمل الصدمة.
كما يلاحظ من جراء هذا الوضع الجديد بالنسبة للشابات، اختيار أحد الأمرين: إما الإنعزال والتقوقع والوحدة، وهذه تقود إلى أمراض نفسية كثيرة، منها الكآبة وانفصام الشخصية، وللأسف هذه الحالات تصيب في الغالب المثقفات اللواتي لا يجدن عملا، إضافة إلى ذلك نرى أيضا التشدد في الدين ودعوة إلى لبس الحجاب. وإما الإنفلات والتحرر من كل القيود، وهذا يؤدي إلى الوقوع ببراثن الخطيئة والتحول إلى لقمة سائغة لمافيات الدعارة والأعمال القذرة الأخرى.
ولوحظ في السنوات الأخيرة إزدياد عدد الشابات اللواتي يتزوجن من الذين لديهم إقامة ولجوء رسمي في دول المهجر من دون توفر شروط الزواج الملائم، مثل فارق العمر، وعدم المعرفة المسبقة، وعدم التكافؤ العلمي والاجتماعي. وهناك العديد من العوائل لا يعرفون ما يدور حولهم من أحداث وتطورات لها صلة بأوضاعهم، حيث أنهم لا يشاهدون أو يسمعون الأخبار عبر التلفزيون والراديو أو مطالعة الصحف، كما أنهم لا يعرفون في أحيان كثيرة ما يدور بالبلديات أو البرلمان أو التشكيل الحكومي، علما أن لهم الحق في المشاركة في التصويت.
وخلال الملاحظات والإحصاءات الأولية مع العديد من العوائل التي لديها أطفال، ظهر أن النسبة الكبيرة منها لا ترغب بالعودة للوطن في حال تغيير النظام الدكتاتوري، ويجري تفسير ذلك لعدم معرفة الحكم القادم إضافة إلى الخراب الاقتصادي الرهيب وصعوبة إعادة البناء، والأهم من ذلك ما يذكرون من صعوبة تكيف أبنائهم مع الواقع هناك.
هذا الوضع يتطلب الدراسة والاهتمام والبحث من قبل الأحزاب السياسية والمنظمات الديمقراطية والباحثين المتخصصين، ويتطلب زيادة الرعاية والاهتمام بالشبيبة والطلاب والأطفال وخلق أجواء عائلية تقلل من ملل الغربة المفروضة على أبناء الجالية العراقية في المنفى.