محمود صبري بين الفلسفة والفن00
 |
بقلم جاسم المطير |
 |
كثير هو الجدل الصاخب أحياناً والحاد في أحيان أخرى عن العلاقة بين الفلسفة والفن0 نفس الجدل لكن بطابع اشد وأوسع، حمله الواقع الثقافي الناشئ بعد انهيار المنظومة الاشتراكية في بداية التسعينات0 فأين يمكن وضع الفنان العراقي محمود صبري (المقيم في براغ منذ عام 1963) في النسق المنطقي لأفكار المرحلة الراهنة بمطالع الألفية الثالثة00؟
من متابعاتي لاعمال (فن) محمود صبري وأفكاره أي (فلسفته) وجدتُ أن ثمة حقيقة واحدة تكمن في فنه( رسومات الفقراء والمضطهدين ورسومات سياسية واجتماعية) وفلسفته هي اعتقاده ( الديالكتيكي)الراسخ بان وراء كل إنتاج في البيئة المادية الاجتماعية كائن روحي ـ مادي ـ فكري ـ جسدي0 ينتج من ذلك أن محمود صبري ، إنسانا وفناناً، ينظر الى تاريخ الفلسفة كشيء لا شان له بالماضي 0بل هو يتعامل مع ( الفن) لا باعتباره (تجسيد) التاريخ، بل باعتباره تجسيد الجوهر المحض في اللحظة الراهنة0 فالمنتجات الفنية عنده هي ليست من المنتجات التي تزول أو تختفي أي أن الفن عنده تجسيد لحقيقة ما0 قد تكون حقيقة ازلية0 فالفنون لا توجد في عصر وتختفي في عصر آخر كما هي الفلسفة باعتبارها شيئاً تجريدياً0
هكذا نجد أن مبدأ الحداثة والتجديد يمثل أمامه خلال تجربته الذاتية حسب0 أي أنه في الفن يشكل وجوداً موضوعياً بينما في الدايلكتيك الفلسفي يربط كل حركة وحدث بالوعي الذاتي للفنان أو الفيلسوف فهو في الفن والفلسفة لا يستخرج أفكاره من جيبه بل من الحياة العامة 0كل عمل عنده لا يتخذ حقيقته من الميثولوجيا إنما يكتشف مضمونه من الحياة اليومية للشعب العراقي ووقائعها الرائجة والمنتشرة0 كل عمل عنده لا يرجعه الى دفء الماضي ولا ينسبه الى أسرار سومر وبابل وآشور بل الى حركة التكوين الحالية تبعاً لمجرى الرافدين وتشكلات الأحداث الفاجعة حولهما مكوناً لرؤيتنا معرفة ذات قيمة تزيد ثراء فنوننا الرافدينية التي تتجلى روحاً رمزياً تصويرياً بواسطة اللون والحركة المنطلقة من خاصيته الاجتماعية والسياسية0(ألوانه قليلة لكنها توحي بجحيمٍ أرضي) كما قال أحد الباحثين0 فهو يعبر عن وجوده الفني بصورة مشاعر وتصويرات خيالية عن الإنسان(الأشخاص الذين يرسمهم يتميزون بالاستطالة وضخامة الأيدي والارجل00) بمعنى أن الشخصيات عنده غير منفصلة عن صورة الفكر0
نتيجة مبدئه بحرية الإنسان وقيمتها المطلقة فأن أعماله كانت كلها تشكل دراسة لواقعية الحياة والناس منطوية على بصيرة التداخل بين حياة الفرد وحياة المجتمع 0في البداية تحمس لأفكار جماعة الرواد التي تأسست في بغداد عام 1950 بمبادرة وريادة فائق حسن،وقد دعت تلك الأفكار أول ما دعت الى( البدائية)في وضع الخطوط وفلسفة الألوان 0 وقد كان من المؤكدين منذ أوائل شبابه الى( الإبداع) وليس (التقليد)0
أول شيء يمكن معرفته عن محمود صبري كفنان هو وجود شخصية واحدة في المكونات الإنتاجية لمختلف أعماله فهو ليس (شيئين) مختلفين في شخصية واحدة كما لدى فنانين آخرين0 بل هو شخصية واحدة (روح وجسد) تلتصق حقائق انتاجاته في عنصر عقلي يخرجه من أعماق روحه0 أحيانا (يفترض) العنصر العقلي وفي مرات أخرى ( يتخيل) أن ما أخرجه الى الضوء هو العنصر العقلي0 وفي هذا بالذات وحدة الشخصية الفنية الفلسفية 0فالخلق في فنه :عبارة من مخيلة لونية يراها الناس بالأبصار0
لم يكن محمود صبري فناناً عادياً بل هو من القلائل الذين ساهموا في إحاطة الفن بالوعي ، وفي إحاطة الفلسفة بالفن0 ولذلك استنتج أن محمود صبري استطاع فك الارتباط بين رموز التاريخ وصولاً الى إبداعات العصر الراهن بما يحسب (حداثة) فلا فنه مرتهن في التاريخ ولا فلسفته مرتهنة من دون تجربة0 انه ما زال حيويا بل شديد الحيوية على نحو ما كان في أيام شبابه0 السبب يعود الى أن هذا الرجل يرجع تقديراته الفلسفية في الحكم على فنه ويرجع تقديراته الفنية على موقفه المحسوس بالنسبة الى حقائق العصر 0فاننا نعرف رؤاه الفلسفية من استدلاله بالماركسية (كمنهج جمالي يشير الى أن الخيال الفني هو باب من أبواب المعرفة) غير منفصل عن طلب الحقيقة في أصول الأشياء وجذورها عن مختلف تجارب الفكر الانساني0
إن الإنتاج الفني هو نتاج أعمال أناس أرادوا البقاء في تاريخ عصرهم لكن الذين جاءوا بعدهم لم يقوموا بإلغائها بل احتفظوا بها أفكاراً وذاكرة0
هل هناك تعارض بين دراسته الاجتماعية (دبلوم العلوم الاجتماعية في لندن) وبين عدم دخوله لدراسةٍ أكاديميةٍ لفن الرسم00؟
أيهما تغلب عنده : الأضداد المترابطة في السياسة والمجتمع أم التجريبية في الخطاب التشكيلي في الفن0؟ أظن أن مسارات هذين السؤالين الملحين عليه طوال ثلاثة عقود هي التي قادته الى تأليف نظريته في الفن (واقعية الكم 00الفن والانسان0)عام 1991مطوراً ما كان قد بدأه عن ما سمي بنظرية( الكم ) عام 1971مؤكداً أن الجمال (الفن) كعلم وكممارسة خيالية متعلق بعالم (الحركة) أي المجتمع0 وإذا كان أرسطو قد أعتبر الشعر أهم من التاريخ فأن محمود صبري لم يعتبر الفن إلاّ جزءاً في أحاديات التاريخ0 يعني هذا من ناحية ثانية أن أرسطو أخطأ في اعتقاده (أن الفنون جميعها تقوم على المحاكاة والتقليد)0
جملة ما أريد قوله، هنا، في هذه العجالة أن محمود صبري نظر الى قيمة الفن التشكيلي برأي إيجابي توخى الدراسة العلمية في تقرير قواعد هذا الفن وتعميم أحكامه، مستفيداً من دراية (هيجل) الذي وضع( الفن) في جانب ووضع(الفلسفة) في جانب يحاذيه ولا يناقضه لأنه قرن الفن بالجمال وقرن الفلسفة بالحقيقة.