الفنان حسام الدين العقيقي
لا فن من دون حرية
* ماذا تعني لك المحطات التالية:
بغداد، روما، طنجة، ميونخ، طرابلس؟
- لم تكن بغداد وروما إلا تعلم الحرفة وإتقانها على النمط الأكاديمي، وهذا كان يتوافق وينسجم مع القناعات السياسية التي كنت أومن بها، والتي كانت ((توصي)) بأن الفن لا يمكن أن يكون ذا قيمة إلا إذا طرح الواقع المعيش بالطريقة الواقعية المعروفة..
وربما كانت ميونخ والفن الألماني نقطة مهمة في حياتي، حيث فتحت لي أبوابا واسعة لمعاني رحبة ومختلفة لما يمكن أن يكون عليه الفن. وعندما تعرفت على التشكيليين المغاربة، وهمومهم الوطنية، ومحاولاتهم لتأكيد هوية فنية قومية، أكتشفت مصادر واسعة وغنية، يمكن أن تزودني بأدوات، وتغني المعاني التي يمكن أن يعالجها التشكيلي، الفنون الموروثة في جميع المجالات، بالإضافة إلى كل ذلك، كانت هناك نقطة مهمة في حياتي هي اكتشافي لعالم الشعر، وعلاقة ذلك بالتشكيل، وهذا جاء لأن المغرب يزخر بشعراء محدثين، شباب مغاربة وعرب عايشتهم وأصبحو، وأصبح الشعر جزءا من حياتي، يحتل مساحة كبيرة من فكري وروحي. وتظل طرابلس الدرس الأهم في مسيرتي الحياتية والفنية.. إذ فيها تأكد لي بما لا يدع مجالا للشك أن لا فن من دون حرية، وعندما ينعدم أوكسجين الحرية يموت الفنان والفن معا.
* في مطلع القرن لجأ فنانو أوروبا هربا من الفاشية والنازية، وفي نهاية القرن يلجأ الفنانون والمثقفون العرب هربا من أنظمة أكثر قبحا واستبدادا. ماذا يعني لك اللجوء كفنان مقارنة بتجربة الفنان الأوروبي؟.
- عندما تعيش وأنت في مأمن من أن الحائط لا يملك آذانا تتنصت عليك، وأن لا سيف مسلطا على رقبتك، حين ذاك تستطيع أن تفكر بهدوء، وتعمل بجدية، كل ذلك مرتبط بالبهجة والمتعة في إنجاز وتحقيق ما تحلم به.
بالرغم من أنني حديث العهد باللجوء، فأنني أشم رائحة المستقبل، ويظل اللجوء ضرورة كبديل للموت، ويظل الوطن مع الحرية أهم قضية.
* هل أثرت هولندا التي أنجبت العديد من الفنانين الكبار في مسارك الفني؟ وما هي مشاريعك القريبة؟.
- بالرغم من أن هولندا لم تشارك بصورة فعالة في تأكيد ملامح الفن المعاصر، كألمانيا وفرنسا وايطاليا وبريطانيا، ولكن تظل جماعة "كوبرا" واحدة من أهم المصادر التي فتحت لي هنا رؤى جديدة، وألوان جديدة.
على الفنان أن يدفع الحساب
* في مطلع الألفية الجديدة تبدو الحركة التشكيلية في العالم غامضة، فقدت قدرتها التنظيرية والنقدية، وتوقفت عن بلورة مدارس وتيارات مثل السابق، هل ذلك ناتج عن خروج الأيديولوجيا من الفن؟ أم هنالك أسباب أخرى؟.
- لا أعتقد أنني أملك القدرة للإجابة عن هذا السؤال، لأن التنظير نقطة ضعف في حياتي، ولكن أعتقد ان ما جعل الفنانين عبر العقود الماضية يلجئون إلى الجماعات، ويؤسسون المنتديات هو بسبب سيطرة أولي الأمر، (الايديولوجيا) بمعناها الواسع، وانعدام الحرية. الفنان المعاصر في الدول المتحضرة يمكنه أن يعيش، ويعمل، ويناقش من دون قمع أو وصاية من أحد، ويأخذ عمله طريقه الطبيعي.. هذا لا يعني أن الرأسمال يترك الفنان على سجيته في تحقيق أحلامه، فهو أيضا يملك سلطة التنظير والنقد. ولكن إذا اختار الفنان الحرية فان ذلك خياره، وإذا اختار الفنان الرفاهية والحسابات البنكية فان ذلك أختياره أيضا، وعليه أن يدفع الحساب.
* كيف تقيّم الانتاج الفني العراقي؟ وهل هناك فرق بين هذا الانتاج داخل العراق وخارجها؟.
- قدر المبدعين العراقيين أن يناضلوا من أجل فنهم ورسالتهم، وهذا سيجعلهم في طليعة التشكيليين العرب، وكما تعلم فان الدكتاتوريات لا تترك شيئا إلا وجيرته لحسابها، ومع ذلك ومهما تسلطت السيوف فوق الرؤوس، وتكاثر المنافقون والانتهازيون من الممكن أن يخرج الفن إلى الحياة، مثلما تنبت الزهور في المزابل.
* ما هي رسالة الفنان العربي وخاصة العراقي الهارب من الجحيم تجاه من لا يزالون داخل الجحيم؟.
- لعل النضال من أجل الديمقراطية هو أقل ما يمكن عمله للوطن، ولأهلنا في كل الأرض العربية، وعندما يعجز الإنسان في أن يأخذ موقفه المناسب من أجل مصلحة ومستقبل وطنه، فان ذلك يطيل من عمر الخراب، والمؤسسات التي يفترض بها أن تواجه الأمريكان، والأوغاد في الأرض المحتلة.