ظاهرة العفوية وتأثير البيئة عند الفنانين الأكراد
عوني سامي
في المعرض الذي أقامته رابطة بابل للكتاب والفنانين العراقيين على صالة ATRIUM في بلدية لاهاي مؤخرا، والذي حظي بمشاركة الفنانين الأكراد (7 من أصل 28 فنانا). وكما عودنا الكثير من الفنانين الأكراد في تجاربهم وحصيلة نتاجتهم المتقاربة، خاصة وهم في صدد تناول اللون والمساحة والخطوط... الظاهرة التي تأتي عفوية والتي نجدها أيضا عند فنانين من بيئات متشابهة وبيئة وطبيعة ومناخ كوردستان. فاستمالهم للألوان الحارة القوية، وبكثافة، موازيا للألوان الباردة وكأنهم ينقلون هذه الأجواء والمناخات إلى أعمالهم، فنجد آراس كريم وآراز طالب وسعاد عمر وآشتي شيخاني وهيوا كريم، يشتركون جميعهم في علاقة لونية متشابهة، مع بعض الفارق، فآراس كريم يطرح مساحة لونية كبيرة تتداخلها مساحات صغيرة وهو يوزع ألوانه بمهارة بحيث تأتي منسجمة كحديقة أريد لها أنم تكون زاهية ضمن موضوعة تلوح فيها تقسيمات لمشخصات ينتمي إليها الفنان نفسه.
وبتناوله لمكونات فلكلورية، كالزخارف والأشكال المتجسدة على الملابس والفخاريات والنوافذ المتواجدة في بيئة الفنان، وغالبا ما نجد هذه الوجوه والمشخصات في وضع جانبي.
الفنان هيوا كريم يتناول الموضوعة ذاتها بطريقة أكثر عفوية وبترتيب وتوزيع لوني متداخل، كذلك بإستعماله للخطوط الناعمة والوجوه الإنسانية في منظور امامي أدخلت عليها وصفات وتقسيمات مبالغة حتى تبدوا وكأنها كائنات اسطورية خرافية... المحصلة نفسها نلمسها عند الفنان آشتي شيخاني من حيث غزارة اللون، ولكن في أسلوب واقعي (انطباعي كردي) إن صحت التسمية، فتناوله البورتريت بلوحتين في شخصية امرأة بملامح مقصودة من مجتمع آخر منطلقا في إخراج الشخصية المرسومة بحركة من إحدى جوانب اللوحة.
يطرح الفنان سعاد ستار عمر نفسه في أعماله أكثر تجريدا، غير أنه يقرب التجريد إلى الواقع، فنجد الأشكال الواقعية المرئية في أعماله، وبصورة أكثر وضوحا في منحوتاته، حيث عرض عملين يملآن سطحا في فراغ أكثر من كونهما كتلة، يتمثلان في عمل لامرأة جالسة مستقرة ونصفها الأعلى متطلع إلى الفضاء بحركة شبه حلزونية إنحنائية، كما تمثلت في العمل الآخر مع تغيير في الجزء السفلي الذي لا ينشد بالقاعدة وإنما بالإرتكاز على جزء من العمل كما في حركة راقصة الباليه، المعتمدة مبدأ التوازن.
الفنان آراز طالب يشارك بعملين، وكما في أغلب أعماله يقدم آراز الشكل الهندسي المجسم متمثلا بالمثلث أو الهرم، مستعملا موادا بلاستيكية خفيفة يمكنها التفاعل مع حركة الطبيعة، بحيث يكون العمل المنفذ جزءا من الحركة الكلية بتأثير ظواهر الطبيعة ذاتها، كالجاذبية والرياح والإتجاهات الضوئية وإنعكاسها على الشكل الهرمي الذي يمتلك غالبا لونا قويا جاذبا للرؤية، كما يحاول آراز تطبيق المبدأ ذاته على السطح المرسوم، يرسمه على جانبي المثلث ضمن فراغ أو فضاء يولد إحساسا حركيا لتكويناته، كما تمثل في أعماله المعروضة في هذا المعرض.

أما الفنانان قرني وعوني سامي فالفارق بينهم وبين زملائهم من الفنانين الأكراد واضح من حيث تناولهم لموضوع العمل والاسلوب وتكوين وبناء العمل شكلا وتركيبا، بحيث نستطيع القول بأن كلا الفنانين لهما التفسير والمفهوم الخاص للفن ولمبادئ الفن الإجمالية، كما في تناولهم للوظيفة الجمالية والجدلية التي تربط الفنان بالبيئة والمحيط الاجتماعي والإنساني، وهذا الإختلاف ظاهر في أعمال الفنانين بوضوح، فالفنان قرني بتناوله التكوين والشكل، نراه يبتعد عن الأساسيات الإنتمائية المكتسبة، فهو وكما واضح في أعماله يبتعد أو يجرد مفهوم البيئة أو المنطقة بشكلها الضيق، وهي محاولة منه كي يعطي مفهوما أو أفقا أوسع للعالم المرئي وكأنه يريد القول بأن العلاقة الإنتمائية والعنصر المكتسب لا يكون بالضرورة ملازما للفنان وإنتاجه الفني، وأن التشديد على الخواص الإنتمائية إنما يعيق قدرة الفنان على العمل والإبداع، ويذهب الفنان أبعد عندما يربط مسألة اللون بالعامل التركيبي الفيزيائي، فليس بالضرورة أيضا أن يؤخذ اللون كمنطلق أساسي لمسألة الجمال، فقرني يحاول (تدمير اللون) وكأنه يريد إعادته إلى حالته الأولية (ما قبل اللون أو ما قبل أو بعد الحياة. فلون الرماد والغبار والتراب والماء لون العناصر والمواد والخامات الأولية، هذه المجموعة اللونية ممزوجة بمواد البناء الأساسية يستعملها ويدخلها الفنان في صناعة أعماله كخالق لشئ يسمى العمل الفني..
يشارك قرني بلوحتين تفصلهما فترة زمنية ربما حال التقارب والإنسجام بينهما، فالعمل المنفذ عام 1995 ربما يعتبر ضمن مرحلة وسطية تحول فيها الفنان إلى رؤية جديدة جسدَّ فيها العمل المنفذ عام 1997 والذي تتضح فيه أكثر رؤيته المميزة للعالم وعلاقته بالمادة والفضاء والمكان والزمان، خاصة في أعمال أنتجت لاحقا تدعم آراءه ومفاهيمه عن الفن والرؤية الفنية التي يقدمها قرني خلال مسيرته الفنية الطويلة، أن الرؤية الفكرية والفلسفية، وربما الحرمان والبعد الجغرافي والاجتماعي، عوامل مهدت لإنعطافة قرني في حبه وإرتباطه الوثيق بالعالم الإنساني وتمسكه بالزهد المادي والحياتي وإيداعه جانبا المتطلبات والرغبات المادية، مما أبعده عن دكاكين العروض الفنية التي يتهافت عليها جموع من الفنانين!.
وجاءت مشاركة عوني سامي بعملين إنطلاقا من رؤاه في تحرير الذات، فالموروث السلبي المكتسب، وإستعمال الموروث الإيجابي وتوضيفه للفاعلية الفنية، وهو يقترب من حيث المفهوم من الفنان قرني، ولكن في إختلاف واضح في الجانب العملي، كتناول السطح وطريقة إخراجه للوجود.. وبرؤية أعماله تتجلى بوضوح علاقة الفنان بالعالم، فالإنسان لديه في وضعية حركية، وتحليل الحدث التاريخي أو الفعل الآني ورفضه لأي سياق أومنهج، في محاولة منه لترجمة الغاية في اداء العمل الفني وموضوعة العمل ذاتها، حيث قدم ضمن هذا المعرض عملين نفذا بمواد مختلفة، وهو يجعل المادة غاية للموضوعة المطروحة، وكيفية تغيير المدلول المنسوب لمادة معينة إلى مدلول وظيفي آخر.
* * *

"إلى فان خوخ":
انهض أيها المبدع من رقادك العميق، واعلن احتجاجك على كل المتلاعبين بآلامك وأحلامك.
بالنسبة لي قد تكون مفاهيمي مغايرة عن الآخرين، هذا لا يعني أنني أريد أن أملي منهجي وطريقة لعبي على الآخر، ولا يعني أن المفاهيم والأساليب و.....الأخرى لا تصب في ميادين الإبداع... المهم أنا هكذا وقد أجد من يقترب مني ويشاركني محاملي، ومن يشارك الآخر محامله؟.

أعرف، بل أؤمن بالتنوع والإختلاف في عالم يزداد تفرعا وتنوعا، ونحن ضمن هذا الكم الهائل من الإنتاج والإبداع الفني، لكنني على يقين أن هناك فنا أرقى من إنتاج فني آخر. ربما قارئ تصوراتي هذه يعتقد بأني أعود وأشدد على نظرية الإلتزام في الفن والتي طرحت في عهد "لينين" أو أنني أناصر (آرنست فيشر) في تحديده لوظائف الفن أو أميل نحو مناهج الواقعية والوضوحية أو العقلانية وثقافة البناء التحتي كما هي عند (هاوزر).. أعتقد لا شأن للفن بكل ما طرح وما يطرح من نظريات، مع الإستثناء إذا كان في سبيل العلم والمعرفة.. ولكن ما أفعل ونحن في عالم ملئ بالصراعات والتناقضات والآلام والأحلام... ونشدان السعادة الحقيقية والوهمية...... يا للتعاسة...
ارتحل كي لا يقع في فخ السلطان.. لكنه سقط غريقا في بحر الشمال.
من يجرؤ أن يحمل ألبومه ويجول به على المتاحف.
أن نجول في دكاكين العرض.. ونعرض بضاعتنا، أو نتصفح مجلات وكتب الفن ونقبل هذا نموذجا واسلوبا ونرفض آخر... نلتقط شيئا من هنا وشيئا من هناك.... نركض وراء ما يطرح في أسواق الموضة، أو نكرس طاقتنا لأسلوب مجرد عسى أن يوفر لنا بعض المدخولات.... نغيّر الأسلوب حسب ما تشتهي أذواق القلة أو كثرة تتردد على متاجر بيع (الأعمال الفنية!!).. نذهب إلى الشرق ونحضر التاريخ بقصد إستحضار التراث ونمجده بذريعة الأصالة... قف أيها المبدع الآتي من وطن متعب، تذكر من أراد أن يسلبك ضوء الوضوح، وبينما أنت في كنف الحرية تكرر الحالة تارة بأسم أصالتك وأخرى بأسم إحتضان الملهم بصفة الرأفة، وقانون الحاجة والعرض والطلب.... والصدقات (الفنية)... قف شامخا وأعلن انتمائك لوطن معذب، للناس، للتراب، للهواء، لصفاء الحاضر، لأطفال المستقبل.

أعرف أن زمن المسؤولية والالتزام قد (انتهى)، لكن ما شأن الفن بالتوجهات المحسوسة وغير المحسوسة، أو مبدأ المفروشات وديكورات الزينة ودكاكين السلع (الفنية)!!.