البئر والعسل
حول ميثولوجيا الحجم وأفق العمل الفني
صلاح حيثاني
كيف نشأت فكرة العمود.. ومن ثم العمل العمودي؟
ربما تكون الفكرة في جوهرها جزء من تدوين الذاكرة عموديا.. كما هو الحال مع مشروع شاغال (Shagall) شبابيك القدس. أو أفقيا، كما في الإستطالات الغرافيكية المدهشة في أعمال الفنان البلجيكي (Rein Houd).
ولكن الإستطالة تدفع بنا كذلك إلى مساحات أخرى متعددة، لعل مثالها الجسد، فالجسد الإنساني يواصل استطالته لسنوات عديدة حتى يختزن ذكريات عديدة وبصمات غامضة تدوّن حضورها عليه. ولا شك أننا جميعا مارسنا محاولات جمّة لقياس عموديتنا، ولعل الكرسي يصلح أحيان أن يكون ذلك المقياس، فهو ليس سوى تضريس جسدي، فلقد أخذ هيئته من شكل الإنسان، كما يأخذ الماء هيئته من شكل الأناء الذي وضع فيه، والكرسي أعد ليختزل هيئته في فعل معاكس، كما يختزل البحر الإمتدادات الشاسعة لنهر فيأخذ شكله ويتماهى فيه، فالنهر كائن يقود بعضه في مسيرة عمودية غامضة، إلى زواله، كما هو الشأن مع التابوت الذي يختزل الجسد في أحشائه حتى زوال أفقيته.
وهنا سنتذكر النعوش الفرعونية.. فهل أتحدت حقا لتغييب الجسد الملوكي وإضماره في البياض/ الغياب، أم لإعداده لقيامته المنتظرة. وهذا المبدأ شبيه بمبدأ البعث والنشور في الديانات الكبرى، حيث بظلان الموت باعتباره زوالا كليا والإنتقال من التدوين الأفقي (الجسد المسجى في التابوت) إلى التدوين العمودي (الجسد القائم أو المحشور). وإذا سلمنا بالمناخ الأسطوري في البحث عن تابوت النبي يوسف الحجري والوله الذي كرسه البحث لإسترداده من ضفاف نهر النيل، فسنخلص إلى أن نوعا من قيامة عمودية ستفضي إلى الجسد المقدس.
ومن هنا كما أرى، كانت المسلات التي أستحدثتها المدنيات المختلفة، تتجه عموديا كأنها تسعى لاحتلال الفراغ وأعتقال غيابه، أي تحصينها من الزوال. وربما كانت المسلة هي السلف الحقيقي لفكرة الكتاب المطوي الذي شاع استخدامه مع أكتشاف الورق في الصين، ولاحقا في المجتمع الإسلامي، أو حتى قبل أكتشاف الورق، في رقائق الجلد المطوية، وهي تنشر عموديا عند قرائتها كما هو معروف. وفكرة العمل المستطيل يمكن تبنيها في الأول من الأشياء.
كما في أول الأبجدية، وفي الواحد وهو أو ل الأعداد، والألف والواحد يلتقيان في حساب الجمل بالقيمة ذاتها، فالأول في الحروف هو الواحد في الأعداد.. فالأعداد من سرار الأقوال. إن الألف بإمتدادي عموديا للأعلى فكأنه يشرف على الأبجدية بقامته المديدة، وهي تمارس حيواتها في ثمان وعشرين حالة مختلفة من الامتداد إلى الامتشاق والعق واللي والطي والبسط. وذات الأمر مع الواحد، فكأنه يذكرنا بالاختراع العجائبي لقامة (الرجل الأول) آدم، الذي كانت الملائكة تشكو من زفيره في السماء، فقد كان مفرطا في الطول، وحتى بعد إستجابة الله كما تقول الإسطورة لإلحاح الملائكة بتقصير قامته لتنقطع حرارة زفيره عنهم، فكان عندما قصد مكة في رحلة عجيبة بدأها من الهند، فأن في كل خطوة تغرزها قدمه في الأرض كانت تنشأ قرية أو تتكون مفازة.

وتأكيدا لفكرة إمتداد الأول من الأشياء عموديا، أرى أن القلم يعزز االفكرة ويدفع بها في الاتجاه ذاته. ففي الحديث (أن أول ما خلق الله القلم، فقال له أكتب فجري في تلك الساعة بما هو كائن إلى الأبد). والقلم إنسان، كما في كتب تعبير الرؤيا. وهنا يلتقي مع آدم في ذات الفكرة وذات النزوع الأسطوري، فآدم يدوّن بما يتخلف من آثار أقدامه أولى المدنيات من القرى والمفازات، والقلم يسعى لتدوين آدم ذاته ومآثره وما هو كائن إلى الأبد في رحلة غامضة تضرب في الغيب. ولكي يبدو القلم إنسانا أكثر من كونه محض تشبيه، فالمعبرون أمضوا في أنسنته حتى صار (ذكرا والمداد نطفته وما يكتب به منكوحه)، وهذا النص كما يبدو واضحا يشير إلى فكرة الإمتداد والخلق والأستمرار. فالقلم يحفظ كل ما تقذف به الذاكرة إلى مهاوي النسيان والأهمال. وفي نص آخر ( سكة والأصابع ثيرانها ومداده البذور)، والبذور مما يحفظ النوع وهي توازي النطفة في عملها، أي إن القلم حتى إذا خرج من تشبيهه الكامل بالإنسان من زوايا متعددة، فأنه سيقع في ذات المساحة من الخلق بإمتداداته المختلفة، الإنسانية والنباتية، حتى الجمادات منها، فالسكة (المحراث) وعملها في تقليب الأرض لتجعلها حاضنة صالحة للبذور، وهي كما أرى إظهار للمضمر (الجوهري) أي تدوين للمخبوء من ذاكرة الأرض، كاآثاري الذي يمسك فرشاته بيده ليزيح بحذر بالغ الأتربة والعوالق عن لقية تؤرخ للمكان وتفترع غموضه.
وإذا سلمنا أن الأشياء إنما تصنع وتبتدع على مثال موجود، كالكرةعلى مثال الثمرة والدائرة على مثال القرص (القمر أو الشمس). فأنني أجد أن الإنسان هو أصل الاستطالة والمستطيل، ومن هنا جاءت فكرة الأول عمودية غالبا، أي على مثال الإنسان، كالمسلة الأولى، والصحائف والأقلام الأولى وأول الأبجدية وأول الأعداد، وكلها تتعين في سعاية واحدة.. والجسد الإنساني عملا فنيا معجزا خالصا ليس بمحض تكوينه الفيسيولوجي التشريحي، وحسب، بل بما يخفيه ويضمره، فقد يكون ظاهره تدوينا جسمانيا لباطنه، وإن قامته لتخفي تبصيمات جمة غرست عليه، وميثيولوجيا، كان الإنسان مرحلة لاحقة من الخلق، فكان محض طينملقى في الطريق بإهمال، فكان يركله المارة من سكان العالم العلوي بأرجلهم ويدخلون في تجاويفه وتلاويحه لإستبطان ماهيته خشية أن يستحوذ هذا الصلصال البليد على مالهم من مكانة.
وفي إحدى قصص الخلق الرافدينية القديمة، إن الآلهة حين أتمّت خلقه من الطين ألقي به باهمال، فكانت مكابداته كبيرة حتى إذا لحسه كلب ذات يوم، قامت الآلهة من فورها إليه وعجنته ثانية قالبة ظاهره الذي صار نجسا وقذرا بباطنه الذي لم يزل نظيفا وطريا. لذا فالألم الإنساني إسطوريا وفعليا كان يقف كله وراء إقتراح هيئة وشكل آخر للإنسان يكون في وسعه إحتمال قدر أكبر من الألم، فكانت فكرة مّد الأعضاء وتطويلها في الحضارات القديمة (الطوطمية خصوصا) والتي ما زال بعضها قائما للآن بعد أن تخلى عن شرط وجوده الأصلي (إعادة توزيع الألم على مساحة جسمانية أوسع) إلى ميراث فولوكلوري. ثم أنسحبت العملية بكاملها على الفن الحديث خلال القرن الأخير، بعد توفر مفاتيح هذه الجنات المتوحشة. فصار كثير من هذه المفردات شائعة ومتداولة بين فناني القرن العشرين، كالإستطالات في الشخوص التي إشتغل عليها طويلا الفنان الأسباني آل جريكو وجياكوميتي في أعماله ومنحوتاته المختلفة.
وفي حالة العمل الفني الذي يأخذ إستطالته من الهيئة الإنسانية كمثال، فأجد إن الإشارة إلى مشروع شاغال الكبير (شبابيك القدس) والذي بدأت أفكاره الأولى تنضج في نهاية الخمسينات ونماذجه الأولى تظهر في بداية الستينات وحتى السبعينات، مشروعا فنيا متكاملا، ترك تأثيراته الكبيرة على مشاريع لفنانين كثيرين في طريقة إنشائه وإخراجه ومعالجة سطوحه والقيمة اللونية التي كان يحفل بها. ورغم أن مشروعه لاهوتيا في جوهره، ولكنه كان تدوينا مدهشا لحيوات جمّة من الأسفل إلى الأعلى وبالعكس، كائنات إسطورية تستطيل بملامح لا يقتنصها الغياب ولا تدخل في البياض حتى تؤكد حضورها عميقا.
المناخ اللوني الواحد الذي يغمر مساحة العمل، يؤكد طابعا طقوسيا وإسطوريا عميقا وفي أحيان يتقاطع مع الدافع اللاهوتي. وبالطبع كان هذا جزءا أساسيا من رهان شاغال، ولعل إستخدامه للشبابيك الكنسية الزجاجية بما تزخر به من تعريقات الرصاص لشّد أجزائها ببعضها البعض كان وراء أمرين أساسين توفر عليها العمل بغنى كاف، الإشراق اللوني الذي يزداد بمبلغ إزدياد الضوء المنعكس على العمل من الخارج، والعفوية الكبيرة الظاهرة في العمل نتيجة عزل المساحات بوحدات لونية من ذات العائلة.
إني في الحقيقة أشير في حالة شاغال إلى مشروع متكامل، لا إلى بضعة أعمال عمودية تحفل بها مسيرة فنان، وذات الأمر يجعلنا نصف تجربة الفنان الهولندي (APPEL) مع الأعمال العمودية حتى ما بعد منتصف الخمسينات بأنها تتأكد في مساحة المشروع وتتعيّن بحثيا في منطقته.

بدأت الفكرة تتبلور بعد آخر معارض كوبرا (1951) وتشظيها إلى عواصم ومراكز أوربية عدة وإنسحاب بعض رموزها إلى باريس خصوصا، كألشينسكي وجورن وكورنيه وأبل ذاته، ثم أنضم أليهم لاحقا لوشيرت ودورتمونت. أستخدم أبل في أعماله كثافة صبغية كبيرة من ذات المجموعة اللونية التي أعتاد الأشتغال عليها إلى ما بعد منتصف السبعينات، وخصوصا في أعماله الطباعية التي أنجزها في دنهاخ (الأصفر الهندي، والأحمر، والأزرق) ثم الإستفادة من الطلاء الأصلي للسطح (الأبيض) ومن ثم خطوطا سوداء تخرج من أنبوب اللون مباشرة ليموضع بها كتلة ويحركها على إمتداد عمله، وه غالبا طيور أو كائنات من المتخيل البدائي، تدخل العمل من أحد طفيه في حركة نافرة، وكأنها كانت منذ برهة معلقة من أجنحتها إلى حائط منذ أزل بعيد.
وهناك تجربة أخرى أجد أن الإشارة أليها تعزيز ورفد لما أذهب إليه، ولكي لا يبدو الحديث عن الظاهرة كالحديث عن مجموعة جزر منعزلة، إنها تجربة الفنان الأمريكي (Rausehenberg) في ثلاث مجموعات عمودية مختلفة. المجموعة الأولى (Night Blooming Seersi) التي أنجزها في عام 1951 باللونين المحايدين (الأبيض والأسود) وبتقنية السطح التصويري المستوي دون عمق منظوري، وهي تذكرنا بخطوط (Klein) وسطوحه ومعالجاته بعد منتصف الأربعينات والتي أفضت إلى المنطقة التي أشتغل عليها لاحقا (Dekoning) الفنان الأمريكي ذو الأصل الهولندي خلال فترة الستينات، وتحديدا بعد وفاة (Klein) المفاجئة.
أما المجموعة العمودية الثانية فلقد نفذها في عام 1952 بمواد مختلفة على الورق، وفيها أستخدم للمرة الأولى قصاصات لجرائد عربية كتقنية تلصيقية، وكرر العملية ذاتها في جمهرة أخرى من الأعمال تعود إلى الفترة نفسها، وفي هذه المجموعة من الأعمال برزت جليا ملامح تجربته اللاحقة، والتي أشتغل فيها على السطوح الثابتة بتقنية السطح التجميعي وطمس التضريس بالصبغ المخفف حتى يقطر لتتأكد عفوية معالجاته، وأيضا مدى دقتها، والتي تشكل المجموعة الثالثة من الأعمال العمودية.
ومن الفنانين العراقيين والعرب ممن لهم محاولاتهم في التدوين العمودي، الفنان فيصل لعيبي في مجموعة أعماله التي أنجزها في عام 1992 والتي عرضها لاحقا (2000) في غالري الكوفة في معرض مشترك مع الفنانين (صلاح جياد ونعمان هادي)، وكان قياس أعماله 30×180 سم. وأعمال الفنان حقي جاسم المقيم في السويد وتجاربه الغرافيكية (طباعة مرتفعة) على وجه الخصوص، وفيها تظهر حرفيته العالية.
وللفنان قرني مجموعة جميلة من الأعمال العمودية التي أنجزها في النصف الأول من العقد المنصرم، وهي كما الشأن دائما مع قرني، متقشفة في اللون والخط.. تؤسس حضورها في معالجاته المدهشة للفراغ، فالفراغ كتلة، بل كتلة ثقيلة.
وأيضا تجربة الفنان ستار كاووش في معرضين قبل عشرة سنوات، وفيها أشتغل على موضوعته الأثيرة (رجل وامرأة). ولقد وفر له الشكل العمودي حرية أن يصور شخوصه كاملة بتلاوين عناصره وضربات فرشاته الصاخبة ببساطة وإسترسال قلّ نظيرها باتجاه تسجيلية حسية.
وللفنان قاسم الساعدي تجاربه في هذا المجال، وتخصيصا عملاً أنجزه عام 1997 بحجم 50 سم×3 م على ورق حائط بمواد مختلفة، ضمنّه المستوى الإشاري (العلاماتي) الذي عكف منذ سنوات على الاشتغال عليه، وكأنها أشكال تركض في بياض الأبجدية. ولكاتب هذه السطور تجربته في مجال العمل العمودي.. ففي السنتين الماضيتين كان مشروعي الأكاديمي هو (الكتاب المطوي العمودي) و (الكتاب التوريقي الأفقي)، نفذته بمواد مختلفة على الورق، وأحيانا على الخشب، وعرضت هذه الأعمال في حزيران وسبتمبر 2000 في معرضين مختلفين.
في عملي لا أحاول المصالحة ما أتلقنه أكاديميا، بل يدي ترى ما تريد وتقودني إليه، أي إنني أبدأ من الخطأ وأمعن فيه.. فالصواب ذاته خطأ من الأخطاء، فاليد تفكر أيضا.. تضع خطوطها وتقود حيواتها بنفسها. وأجد أن علاقتي بالمخطوط منذ زمن بعيد (المخطوط الذي يشتمل على البعد التصويري الإشاري) ككتب الأقلام الروحانية، المباهج والمناهج للبسطامي تمثيلا، والذي أتممت تحقيقه، ونتائج تدوين العلامات الشرقية القديمة في منشورات الآثاريين، واقترابي الحميم من كوبرا (أبرز تجمع فني عالمي بعد الحرب العالمية الثانية، تأسست عام 1948) هو المكوّن لعملي وأفقه.

وعربيا سأتناول مشروعين منفصلين من المغرب والجزائر للقاسمي وبن بيلا.. أما القاسمي فكان مشروعه خلخلة لمفاهيم العرض المعروفة، وهي حسب الفنان ذاته، مغامرة.. ليس في العرض وحسب، بل في التغيير الذي طرأ على بعض العلامات التشكيلية، ففي عام 1985 وعلى شاطئ المحيط الأطلسي (حرحورة) غرز القاسمي أعلاما مرسومة، وهو في محاولته هذه، أو مغامرته حاول تأسيس علاقة ببعد أخر مع الجمهور، فلقد أدخل أفق البحر والرمل والسماء، وكلها خطوط أفقية، فضلا عن دلالة الأعلام التي تشكل نداءً خاصاً، ولكن لها شكل عمودي، ثم أشتغل بمواد سائلة سمحت للأعلام بأن تغيّر رسومها باستمرار، فما تراه الآن لم يعد بوسعك رؤيته بعد حين، إذ سيتحول إلى مشهد مخالف، وهذا الأمر يحدث طوال اليوم.
أما محجوب بن بيلا فقد بدأ مشروعه في الستينات بعرض تنويعات على تجريد مؤسس على الحركية والبحث عن إدلالٍ غير شكلاني، بإنتاج أبجديات مبتكرة والأعتماد على الإطار العلاماتي -العلامة الفارغة- الذي يستمد قيمته من صدمته الخطية والتشكيلية ورفضه لكل فهم جامد. أما مشروعه العمودي فأنجزه عام 1986 بعنوان (الوجه الآخر للشمال الفرنسي) وهو إفريز طٌرقي بين باريس-روبيه، بطول إثنا عشر كيلو مترا مرسومة (32000 م2) وذات الأمر يمكن أن ينسحب على بن بيلا في طريقة إختيار المكان وشكل العرض. فسبق له تنفيذ أعمال بأحجام كبيرة وخارج إطار التقديم التقليدي للعمل الفني، فلقد أنجز جدارية ضخمة (700 م2) في أوشيل، وسيارة مسيدس مرسومة (4×4 م2) لسباق باريس/دكار للسيارات.
إن هذا البحث ليس سوى محاولة آمل أن يكون بمقدوري الرجوع أليها وتطويرها وتغليظ خطوطها وتعميق مساراتها باتجاه الكشف عن رواصد الشروع بالعمل الفني ونزوع الفنان لأختيار سطوحه وحجومه التي يعمل عليها. فلطالما تردد إن العمل يفرض شرطه، وبالتالي يعرض حجمه، وهذا يعني إن الفنان يهب نفسه للبياض.. أن يدخل الغيب بيدين مفتوحتين على الأبد، أي تكون الفكرة مشروعا قبليا وتنفيذها ستكون عملية لاحقة، (الشكل يقترح الفكرة).. وهذا يحدث بأستمرار.
فمشروع شاغال تمثيلا لا حصرا، الشكل فيه هو الذي إقترح معالجاته وأبنيته وإنشاءه، ومن ثم إخراجه للعمل. فالشكل العمودي للشبابيك الكنسية كان وراء تدوين ذاكرته، وجسده عموديا، كما وفر له أن يبرهن أجساد شخوصه كاملة بكل عذاباتهم وكل الآثار التي خلفها القهر والعزلة. وفي مشروع آخر ككتاب الساعدي، نجد أن الفكرة هي التي أقترحت الشكل، فالطابع المخطوطي والنسق العلاماتي الذي أشتغله بطريقة مثلثات الغزالي الطيعية، أو أقلام البسطامي، أو قصائد من الشعر العمودي، دافعا لأن يتنامى العمل من الأعلى إلى الأسفل.
وتاريخيا أشرت إلى فكرة العمود ونشوئها أسطوريا، مثالها الذي إستمد منه الفنان أحجامه وقياساته، وخلصت إلى أن الإنسان ذاته ليس مثال العمل العمودي وحسب، بل وإن أشياء وأشكال أستمدت عموديتها منه، وتضريساتها مما أختزنه الجسد الإنساني من مكابدات وآلام.