الشاعر المذبوح بقصائده
صلاح الدين الجاف
بين الفينة والفينة تنبجس بين جوانحنا ذكريات ساخنة، آلت بها الأعوام الماضية إلى متاهات الكهوف وحلكة الأنفاق الداكنة، تلك الذكريات التي عشنا أيامها الخالدة وعاصرنا بطولاتها الفذّة، بيد انها والحق ما زالت ماثلة في أذهاننا، حية في ذاكرتنا، ذلك بمجد تراثها الثريّ وفيض عطائها السخي، عبر أمسياتها ومهرجاناتها وإصداراتها الشعرية المتواصلة لفطاحل الشعراء الذين أبدعوا لنا في نسج خيالهم المرهف، وأسبغوا علينا نكهة التذوّق وبلاغة المنطق بأحاسيس ومشاعر جياشة تفاعلت في نفوسهم، فأحسنوا التصوير وأصدقوا التعبير، كما في تلك المخطوطات الشعرية التي أطّرتها الأيام على مر العصور برقائق تبرية ما زالت شامخة، كالمعلقات التي تعتبر اليوم من كنوز الشعر ومفتخراته إلى غير ذلك من دواوين شعرية ثبتت سلطة الشعر، فضلاً عن ذلك الكم الزاخر الذي هاجر في أواخر القرن العشرين والذي أنجب نخبة مرموقة من كبار الشعراء، الذين سيبقى التاريخ يخلدهم خلود الروائع العالمية. نحن على ثقة بأننا مهما ذكرنا للقارئ المتلقي، أو الشاعر المتتبع، فأننا سنجده حتماً يذكر لنا منهم أكثر مما نذكر له خاصة من الذين عاصرناهم، وما زلنا نعاصرهم مع عجلة الأيام التي تدور بنا على صفحات التاريخ، لتسجل على جدرانها أروع ما قيل عن سلف وإبداع ما يقال، لذلك فكلّما تصفحنا وجه التاريخ شممنا منه رائحة الماضي، وأريج شعره العطر وهو يجول بنا في مروج الشعراء ودواوينهم كمنتقيات حضارية، إذ ان الدواوين الشعرية هي: وجه من أوجه الحضارة البشرية، ولبنة من لبنات صرحه الشامخ. ومن إحدى هذه اللبنات اللامعة اليوم، هذا الديوان الجديد الماثل بين أيدينا بكل سكينة ووقار "بُرادة الحديد" الذي وجدت في حروفه قوة حديدية، وفي كلماته رصاصات حديدية، تنطلق من فوهة فم رجل حديدي، قارع الظلم بحماس شاعر يبحث في الصحارى عن خيمة، وفي الجبال عن كهف، وفي السماء عن حمامة، وهو ذلك الرجل الذي عرفناه وعرفنا قصائده المذبوح بها أينما يجوب.
الشاعر "كريم ناصر" الذي تمخضت به مدينة "الكوت" في وسط العراق فأنجبته في حر تموز قار، سنة خمسة وخمسون وتسعمائة وألف ميلادية، عاش طفولته وردحاً من شبابه هناك، وهو يستمع إلى الشعر فأحبه حتى صار من هواته، إلى ان أستمر في نظمه وممارسته وبثه بين أقرانه في المحلة أو في المدرسة، فشجعوه لما وجدوا فيه من سجايا شعرية وفطرة تعبيرية، وهكذا تمكن نيل جائزة الشعر في المسابقة الشعرية لطريق الشعب في السبعينات، كما يحدثنا ديوانه، ثم واصل أشعاره التي وجدت طريقها إلى النشر على المستوى العراقي والعربي، حتى أصدر مجموعته الشعرية "بين حدود النفي" عام 1988 عن دار الأهالي بدمشق، وبذلك تمكن من أن يبرز بوضوح عذابات منفاه الشعري وألمه الروحي برومانسية عالية، وهو المقصى عن أهله ووطنه. هكذا تعاقبت قصائده المكبلة بالخيوط الدراماتيكية والملتفة حول شغاف قلبه والمنتشرة في شرايين أشعاره، حتى ان أغلبية مخطوطاته الشعرية نراها قد وشحت بهذه المآسي والآهات المريرة، والتي عبّر عن الكثير فيها بأشعار غنائية عامية وفصحى، لحنها وغناها العديد من الفنانين المعروفين وهي لمّا تزل محفوظة في أرشيف الإذاعة كإرث تراثي في الشعر الغنائي العربي، وبالإضافة إلى ذلك كله فقد بادر الشاعر كريم ناصر بترجمة العديد من المآثر الفارسية قصصاً وحكايا.
بعد مرورنا بأبرز أولويات الديوان، نجد الشاعر قد أسبغنا بلغة مكلومة تشربت روحه بعقوبات تلك النهارات البائسة إبّان هجرة الشجر، فالشاعر يبقى الباحث النشيط عن ضفيرة ضوء يحزم بها أوتار قيثارته، بينما عيناه تحدقان إلى هيجان البحر وانطلاق الطيور وقرع الطبول المبعثرة في المفازة كما يتصور شاعرياً.
هكذا نجد الشاعر " كريم ناصر" يستنبط شعره المعذّب بصور هي أقرب إلى التنظير بنمذجة فلسفية علمية إزاء العذابات التي حكمت عليه بلفائف الموت والهلاك في المنافي شعراً ومشاعرة، الأمر الذي جعلنا أن نلتفت إلى أشعاره التي لا تخلو من الحاجة لبعض التحام، فالسلبية التي وجدناها في أشعاره هي تلك الصور الرهيبة، القاهرة بلا حدود ولا نهائية، حيث يضعها أمام القارئ مباشرة ليصدم الأخير بجدار عال وحذلقة لغوية، مما يجعلنا نعتقد بأن القارئ ربما لا يستوعب كل ذلك، أو قد تقوده إلى تساؤلات عديد مظننونة أو نزيهة بحقه كشاعر في حياة بلا حياة وكإنسان أسلم بموته المحقق ببصيص من أمل وهو يحلم بالنجاة حين يتوسد خشبة المصلبة.