كانت مرحلة ثورة تموز أعمق وعيا من قيادات كل القوى السياسية
د.عقيل الناصري
كاتب وباحث متخصص
في البدء.. شكرا لدعوتكم إلى الحوار، في أهم معلم من معالم عراق القرن العشرين، والذي بات يمثل حجر الأساس في ولوج العراق- ككيان اجتماعي/جغرافي- إلى العصر الحديث بكل معناه، سأجازف بالتركيز المكثف بغية توخي الوضوح وشرطكم الملزم بـ(500 كلمة).
كانت ثورة 14 تموز، ضرورة موضوعية في مسيرة البلد الارتقائية. هذه الموضوعية مشتقة، ليس من أمانينا، بل من ذات المهام التي عكفت الثورة على إنجازها بعدما طرحتها الحياة عليها نتيجة تخلف قوى الحكم السابقة ونخبه من تحقيقها.
تمحورت المهام في ضرورة إجراء تغيّر جذري/بنيوي في علاقات الإنتاج الاجتماعي وطابع الملكية (وخاصة الزراعية منها)، وبالتالي تغيّر أولويات الأنماط الاقتصادية في عملية الإنتاج الاجتماعي التي ترتب عنها تغيّر في التراتبية الوظيفية للأنماط وللفئات والطبقات الاجتماعية المناظرة. تولد عن ذلك سعة في شمولية التغيير بحيث طال كمٌ وافر من الفئات الاجتماعية، سواءً في المدينة أو الريف، ناهيك عن النظرات الحديثة لمعادلات الحكم بأبعاده السياسية/الاجتماعية، ووظائف المؤسسات الحكومية وغائيتها المرتجاة.. والتي كلها انعكست في توجه الحكم وفي سياسته الخارجية وتحالفاته الدولية.. ذات الطابع التقدمي والعصري.
لقد كانت المرحلة التموزية/القاسمية المثيرة.. أشبه مرحلة انتقالية للعراق من المرحلة شبه الاقطاعية/الكومبرادورية إلى مرحلة من سماتها الأرأسية تعددية الأنماط الاقتصادية بآفاقها الرأسمالية الوطنية (الحكومية والخاصة)، حيث لعب نمط رأسمالية الدولة الوطنية دورا مهما في بناء المناخات الاقتصادية/السياسية الحديثة والتي تشتق منها الأسس المادية للمجتمع المدني "بكل مظاهره" والتي ترسخت بعمق بعد ثورة 14 تموز.
هنا التحول في البنية الاقتصادية ونتائجه بعيدة المدى.. كانت إستجابة للواقع المادي لعراق النصف الأول من القرن الماضي، إستجابة للا مساواة في توزيع الثروة الوطنية وفي تفكك البنية التقليدية التي لم تتطور نحو الحداثة المتوقعة، وفي خرق التوازنات القائمة بين التكوينات الاجتماعية والطوائف الدينية، وللإرادة السياسية المزيفة وإغلاق منافذ التغيّر السلمي للسلطة وتداولها..
حسب اعتقادي أن السؤال الأول كان غير دقيق في التعبير عن ذاته.. فإذا كانت إيجابيات الثورة من الضخامة بمكان (85% حسب حسن العلوي) سواء بمنظورها التاريخي أو ضرورتها الموضوعية، فأنها سوف تنفي الفكرة الانقلابية الفوقية لتصحيح مساراتها!!. ثم كيف يمكن أن نفهم كون مسار الثورة صحيحا أم خطأً؟!. هذا الأمر يتوقف علينا، على مصالحنا ودرجة توافقها مع المسار.. نظرتنا الفلسفية ودرجة تطابق زوايا رؤيتها مع مسارات الثورة، فإذا أخذنا بالنظرة الطبقية، مثلا، فسوف نقف أمام غير مسار مرغوب للثورة.. قد يكون بعضها متناقضاً، بل حتى متناحراً (الإقطاعيون - الفلاحون). أو إذا أخذنا بشمولية المسار من حيث المنافع للأكثرية أو للأقلية، فسنرى مسارين متناقضين، أما إذا نظرنا لمسارات الثورة عن طريق توافق المسار العام لها مع طبيعة المرحلة والمهمات الواجب إنجازها فسنرى أكثر من رؤى.. لأن التاريخ يتداخل (العام بالخاص، الذاتي بالموضوعي).
وتأسيساً على ذلك.. كانت المرحلة التموزية/القاسمية المثيرة، ونظرتها لواقع العراق أعمق بكثير من وعي كل القوى السياسية آنذاك، وأكثر صواباً من كل كبحها والسيطرة على توجهاتها العامة، والمتطابقة مع الظروف الموضوعية والدولية، كانت الثورة من السعة بحيث رفضت تبني المصالح الضيقة التي تبرقعت بالشعارات الكبيرة، ولم تأخذ بالأماني المرتجاة البعيدة المدى ولا بالنظرات السافية. كانت واقعية غلى حد بعيد، وقد تجلى كل ذلك ليس في تبديل نخبة الحكم، بل في وضع تطور العراق الحديث في مسارات تطوره المتزامن مع العصر وروحه. إذ لا يمكن ولوج عصر التطور العاصف بالعلاقات الإقطاعية، ولا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية بالانتاج الحرفي، ولا بناء المجتمع الديمقراطي بواسطة الانتخابات المزيفة، ولا نبني المساواتية السياسية والاجتماعية، بالنظرات الطائفية الضيقة والانتماءات الأسرية ورابطة الدم.
لقد أوضحت تاريخية الجمهورية الأولى (1958 تموز- 1963 شباط) أن كل المحاولات والحركات الإنقلابية، والتي بلغ عددها 39 محاولة، إدعت أنها جاءت لتصحيح المسار!؟ لكنها في الحقيقة.. كانت تمثل الارتداد عن البرنامج الإجتصادي/السياسي للثورة وتوجهاتها وضد التجذر والتبؤ للطبقات الاجتماعية الحديثة وقواها السياسية، وخاصةً ذات المنحى اليساري، وهذا ما دلت عليه التجربة التاريخية للحكم منذ سقوط ثورة 14 تموز ولغاية الوقت الحاضر.
وبناء على ما ذكر.. فلم يكن انقلاب شباط 1963 سوى خاتمة لتلك المحاولات الانقلابية، والتي مثلت العود إلى ما قبل تموز 1958، من حيث جوهر الحكم وأفكاره والماهيات الاجتصادية/ السياسية، على الأصعدة الاجتماعية والجغرافية والبنية الاقتصادية كافة. لقد توقف زمن الارتقاء الحضاري بعد سقوط هذه التجربة الفريدة، وتأثرت سلبا محاولات بناء أسس المجتمع المدني، وانعدمت الحياة الحزبية، وأجهضت فكرة تحقيق النظام البرلماني(1)، وألغيت فكرة المساواتية الاجتماعية وتعرقلت الوحدة الوطنية وتعمقت الطائفية السياسية واللون الحزبي الواحد، وتقطعت روابط الانتماء للأمة العربية.
كان انقلاب شباط بداية التفكك السياسي للكيان الاجتماعي/ السياسي للجمهورية الأولى، وساد التسلط والإرهاب وتعمق تريّف الحكم والانغلاق في القطرية، محل المناطقية والأسرية، وألغي الصوت الآخر.
أن هذا الانقلاب كان أشبه بالإجهاض المادي والمعنوي لثورة 14 تموز.. وبداية الدمار المستكمل الآن.
لقد كانت الصراعات الحزبية الضيقة، بعضها كان مبرراً موضوعياً، وبعضها الآخر - والأهم غير المبرر علمياً وعملياً، من أهم أسباب انتكاسة ثورة 14 تموز، خاصةً ذلك الاحتراب بين التيار الوطني عامة، واليساري خاصة، وبين التيار القومي، وبالأخص الأحزاب الأقرب موضوعياً لرؤيا الثورة.
لقد وعت قيادة ثورة 14 تموز، مدى فداحة هذا الاحتراب والصراع الدموي وتأثيره ليس على مسيرة الثورة فحسب، بل على واقع العراق ومستقبله. لذا خاطب الزعيم قاسم غير مرة، (وتوسل) بهذه القوى المتصارعة من أجل إيقاف هذا الاحتراب(2) والعمل على بناء الوطن وإزدهار أبنائه.
من هذا المنطق وعن واقع الدمار الذي يتعرض إليه الوطن ومكوناته الاجتماعية، وما أصاب الفرد من مسخ حضاري/ ثقافي/ نفسي.. لا بد من إعادة النظر في استراتيجية التحالف بين القوى السياسية على قاعدة الحد الأدنى المشترك والثوابت الوطنية العامة، من منظور الوحدة العراقية الفيدرالية والتعددية الحزبية والنظام البرلماني كوسيلة "وحيدة" للتبادل والتداول السلمي للسلطة، بغية تحقيق العدالة الاجتماعية وإلغاء وحداتية التمثيل والتمايزات مهما كانت ولأي سبب كان.. متخذين من حقوق الإنسان الوسيلة والهدف.
هذه المنطلقات لا يمكن تحققها ضمن واقع تركيب السلطة الحالية، ولا ضمن آليات عملها وضوابطها، ولا فكرها وما يتميز به من عصبوية وحزبوية ضيقة ولا ضمن أدوات قمعها المادية واللامادية.
إن تاريخية الحكم الحالي المنافي لأدنى القواعد السليمة للإدارة الجماعية للسلطة، وما قام به من حروب داخلية وخارجية، وخرقه لكل التحالفات مع القوى الداخلية، والاعتماد على العنف المادي في استقرار الحكم وعدم حله للمشكلة القومية للشعب الكردي، ولعودته إلى الوسائل البالية لتكوين قاعدة اجتماعية تعتمد على أدنى الولاءات.. الولاءات العشائرية، كلها عوامل وغيرها.. لا تؤهل إعادة ترميم البيت العراقي مع سلطة كهذه.
إن الدمار الشامل الذي أصاب الوطن وأغلب مكوناته الاجتماعية، كان أحد أهم مسبباته هو السلطة الحالية وسياساتها اللامنطقية واللامعقولة.. سواءً الداخلية أو الخارجية مع دول الجوار والدول العربية، تجربة حكم السلطة الحالية الحالمة بالأبدية في الحكم، تتعارض وتوجهات بناء الحكم البرلماني وتداول السلطة سلمياً، إن الإقرار بحقوق الإنسان والجماعات المتبناة من قبل قوى المعارضة تتناقض وأساليب الانتهاك الذي يتعرض له الفرد من قبل الحكم الحالي.. حل المسألة الكردية ضمن منطق الفيدرالية وتحقيق حق تقرير المصير يتنافى وتصور الحكم الحالي.. كل هذه وغيرها أدلة على عدم إمكانية التحالف مع عقلية السلطة الحالية التي لا تحترم نفسها ولا تحالفاتها.
كما أن ترميم البيت العراقي لا يتم بالحراب الخارجية، مهما كان شكلها.. أنها مهمة العراقيين الأساسية.. المساعدة الخارجية تكون عامل مساعد، ويجب ألا يعول عليه، لأن في المحصلة سيسلب خياراتنا الوطنية. انقلاب شباط 1963 كان خارجيا ونفذ بأيدي عراقية.. فكان الدمار وزحف الجراد على زنابق النخيل.
1- كان أحد أسباب الانقلاب هو إجهاض توجه حكم تموز/ قاسم نحو البرلمانية، والتي كان يزمع تحقيقها في تموز 1963 بعد نشر الدستور في آذار 1963 حسب ما أكده.
2- راجع للمؤلف (من ماهيات سيرة الزعيم قاسم) جريدة التلغراف-استراليا- الحلقة 12، كانون ثاني 2001.