Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web



ثورة 14 تموز ثورة الآمال الخائبة..



جاسم المطير

النقطة الحرجة في الكتابة عن ثورة 14 تموز، تبدأ مع الكاتب حالما يبدأ في تعريف تلك الثورة، فعلى أي تعريف يمكن الاعتماد في التناقضات التي أزالتها، أو التي أوجدتها تلك الثورة...؟
المقصد هو أن النشاط الذي يمكن لإرادتي أن تبذله ينطلق أولا وقبل كل شئ من ضرورة الصراحة في القول أن ثورة 14 تموز هي ثورة الآمال الخائبة ليس غير. فالثورة لم تبلغ أية غاية من غاياتها، بل حتى انها عجزت عن إضفاء الطابع الموضوعي على تلك الغايات. صحيح أنها حولت الحكم الملكي (الفردي) إلى حكم جمهوري، لكنها سرعان ما رفعت الحكم الجمهوري إلى مستوى الحكم الفردي العسكري الذي أحتفظ بذاته نمطاً دكتاتورياً واضحاً.
خارج النمط الصوري لعملية الديمقراطية التي ادعى بها بعض أنصار الثورة، حتى من الشيوعيين، فأن المضمون الأساسي للثورة كان حاضراً كواقع فعلي مباشر لنظام حكم فردي عسكري لم يستطع أن يستقل عن التضاد القائم بين الهدف الذي أعلنته الثورة عند قيامها، والتطبيق الفعلي الذي كان يستخف بمطالب الجماهير وتطلعها نحو الحرية والديمقراطية.
سرعان ما أصبحت سياسات الثورة وإجراءاتها قيوداً جعلت من المستحيل أن يتعايش الناس، من دون عسف، مع نظام يفقد كل يوم هويته المجردة غير المعروفة إلا بوطنيتها حسب.
كالمعتاد لدى الأنظمة الفردية في العالم الثالث، وخلال فترة قصيرة، تحول عبد الكريم قاسم إلى إرادة مطلقة حتى صارت المشكلة الأساسية هي مشكلة العلاقة بين الحاكم الفرد وحريته في وظيفة الدولة وبين الإنسان العراقي المحب للتطور والازدهار في زمن الثورة. فأصبحت الحرية السياسية للأحزاب شكلاً خارجياً مجرداً يمنح الإقطاعيين تنفساً ويمنع عن الديمقراطيين حريتهم.
إشتد جدل أولا في داخل جميع قيادات أحزاب جبهة الاتحاد الوطني، صاحبة الثورة، كما أشتد فيما بعد داخل القواعد الحزبية والجماهيرية. كان الجدل قد اتخذ موضوع السلطة التموزية وتطورها اللاحق كأساس أول معطى للشعور أو الوعي المتعلق بأخطار محيطة بالثورة.
في رأي أن ثورة 14 تموز لم تحقق أي شئ خارق، فما فعلته الثورة منذ يومها الأول حتى سقوطها بيد انقلابيي شباط 63، لم يسفر بالنهاية عن منجزات وطنية كبرى، وإذا دخلنا بلون من الجدل السلبي فأننا نتوصل إلى نتيجة نهائية مضادة لكثير من القول يشيد بمنجزات إيجابية موهومة جاءت بها الثورة. فالمصلحة الذاتية لمجموعة العساكر القائدة هي نفسها حاملة اللامبالاة حيال مطالب الفلاحين بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي المفكك. وهي نفسها التي تخلت عن الحرية وقوانين الديمقراطية لترك الناس، تجاراً وصناعيين وفلاحين وعمالاً، يتخبطون في مجتمع مأزوم بنظام يغلق أبوابه بوجه التنظيم والإرادة والانطلاق، وهي نفسها التي عجزت عن توفير العدالة للأكراد فنشأت حالة الصراع المسلح في الشمال. وهي نفسها التي ارتدت بقانون الأحزاب إلى الوراء فحرمت الحزب الشيوعي من حقه في العمل العلني، ولا شك في أن هذا الارتداد مهد السبيل لنشوء غرائز التنظيمات البدائية التي قادت ثورة الردة في 8 شباط لقتل الشيوعيين وغيرهم بصورة خارجة عن الصفة الإنسانية.
لقد جعلت ثورة 14 تموز موضوع الثورة فجاً منذ عامها الأول، فالملكية الزراعية الصغيرة التي أوجدتها الثورة أضاعتها بنفسها حين جندلت قانون الإصلاح الزراعي خشية تطور الحركة الثورية في الريف.
بماذا يمكن التحدث عن إيجابيات الثورة التي في جوهرها لم تكن غير مجموعة من بيانات وقوانين مجمدة عن التطبيق. إذا كان الإرهاب مغروسا في دولة رجعية لا تدافع عن نفسها، فإننا نجد الغرس نفسه متسعاً وممتداً حتى في ثورة تموز حين أعيد فتح سجن نقرة السلمان وحين علقت في الشوارع جثث المحكومين بالإعدام، وحين تشكلت فرق محاربة الديمقراطيين والثوريين في المدينة والريف حتى نات في قلوب الناس أي أمل في قيام مجتمع مدني متطور.
اللحظة الرهيبة حدثت في 8 شباط، وهي اللحظة التي نشأ فيها الاعتماد المتبادل بين نقاط الضعف في ثورة تموز والقوى التي نظمت نفسها خلال أربع سنوات لاغتيال الثورة والثوار. فتحول الإرهاب هذه المرة إلى قوانين بدأت بالبيان رقم 13 منتهياً بالقتل الجماعي بلا عرف وبلا تقاليد، بل بالغريزة الحيوانية البدائية.
لا يمنعنا شئ من القول أن أول تعديل في التاريخ العراقي المعاصر يجب أن يبدأ بإدانة كثرة من إنتاج وتوزيع العمليات سميّت الثورية في مختلف المراحل بعد يوم الرابع عشر من تموز. أن جميع الوطنيين أحزاباً وأفراداً بحاجة إلى مستوى عال من الجرأة في النقد والنقد الذاتي اللذين يعلوان على جميع المصالح الفردية والمنافع الضيقة. فلقد لجأت الثورة بعد حدوثها إلى قهر الناس، لا تحريرهم مما مهد السبيل إلى انتشار أهواء ونزوات احتوتها تنظيمات فاشية وصلت إلى تحررها الكامل في الدولة الدكتاتورية المتشكلة منذ عام 1968 وحتى اليوم.
ما أريد قوله لهذه المناسبة هو أن مضمون ثورة 14 تموز لم يدرس بعمق، فما كانت الثورة تنتجه في أول النهار يتهدم في آخر الليل. وما بنته الثورة في قوانينها الأولى حطمته في إجراءاتها اللاحقة. وما حدث طوال الأربعين سنة الماضية يدعونا إلى أخذ الأمور المتعلقة بثورة 14 تموز من وجهة نظر عميقة، ويجب أن نعتمد في تقويم الثورة ليس على مضمونها دون تطبيقاتها، وليس على أقوالها دون أفعالها، واكتشاف وتحديد ما له قيمة عملية تتنوع في معطياتها لبلوغ موقف جاد وحقيقي لطبيعة الثورة التي لم تستطع رؤية الغابة العراقية بسبب كثرة الأشجار المزروعة في الطريق. من دون ذلك يصبح جهد الباحثين ضائعاً.