ثورة 14 تموز منعطف سياسي كبير في تاريخ العراق المعاصر
جعفر عبد الرزاق/ كاتب إسلامي
لكل حركة سياسية إنجازات واخفاقات في مسيرتها. وقد تجهض الحركة قبل أن تحقق أهدافها وترسخ مبادئها، ولكنها في كل الأحوال تمثل منعطفاً تاريخياً في حياة الأمة. وقد خلقت ثورة 14 تموز 1958 تأثيراً عميقاً في تاريخ العراق السياسي المعاصر، ونقلت مستوى الوعي السياسي والعمل السياسي إلى مرحلة حاسمة بعد مخاض عسير .لعل واحدا من أسباب قيام مجموعة من ضباط الجيش العراقي بزعامة عبد الكريم قاسم بالثورة هو عجز النظام الملكي القائم آنذاك من استيعاب التطورات الفكرية والاجتماعية والسياسية، واستمرار هيمنة مجموعة من السياسيين على أمور البلاد، معتمدين بشكل أساسي على ربط البلاد بالنفوذ البريطاني. ونشأ جيل جديد من المدنيين الذي شعروا بالإحباط من إمكانية المشاركة في السلطة على الرغم من محاولات انقلابات شعبية وتظاهرات وعصيان بين الحين والآخر. لذلك لم يكن هناك طريق، برأيهم، سوى الإنقلاب العسكري على النمط الذي نجح في مصر بقيادة عبد الناصر عام 1952.
كانت أهم مبادئ قيادة الثورة، التي تمثلت بمجموعة الضباط الأحرار، قبل انتصارها هو إقامة حكم جمهوري يقوم على تمثيل نيابي ديمقراطي، تسبقه مرحلة انتقالية بإشراف حكومة مدنية مؤقتة يدعمها الضباط الأحرار. ويكون رئيس الحكومة مدنياً مشهوداً له بصدق الوطنية، وهو يختار أعضاء الوزارة بعد استشارة الضباط الأحرار، على أن يكون الوزراء من زعماء المعارضة للحكم الملكي. واتفق على تأسيس مجلس سيادة من ثلاثة أعضاء يحل محل رئيس الدولة إلى أن تحل قضية رئيس الدولة في المجلس الوطني (البرلمان) الذي سينشأ فيما بعد.
وبعد نجاح الثورة بدأ التنصل من أغلب تلك المبادئ بحجج وأخرى. فقد خلا البلاغ رقم واحد الذي أذيع صبيحة الثورة من أية إشارة إلى إقامة حكم برلماني. كما تم منح الزعيم عبد الكريم قاسم سلطات عديدة مثل القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الحكومة ووزير الدفاع. أما الدستور المؤقت الذي أصدرته الثورة في نفس العام فقد خلا من تحديد الفترة الأنتقالية أو الإشارة إلى المجلس الوطني. بل على النقيض من ذلك تم تحويل مهام وصلاحيات السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية أي الحكومة، إذ نصت المادة (21) على أن (يتولى مجلس الوزراء السلطة التشريعية بتصديق مجلس السيادة). فيكون بذلك قد ألغي دور الأحزاب السياسية أو الجماهير في المشاركة في الحكم أو الإشراف على أداء الحكومة أو محاسبتها، خاصة وأن العراق قد شهد تجربة برلمانية قرابة أربعين عاماً رغم ما اختزنته من أوضاع وسلوكيات سلبية ومخالفات للقانون .
اتسمت ثورة 14 تموز بصبغة الزعيم الأوحد الذي رفض حتى تأسيس مجلس قيادة الثورة
كي يتجنب استشارة زملائه الضباط في أي قرار يريد تنفيذه . وميل قاسم إلى الحكم الفردي هو الذي حال دون تدوين دستور دائم بعد خمس سنوات من حكمه حتى مصرعه، أو المبادرة إلى إنشاء مؤسسات دستورية برلمانية وإعادة الحياة النيابية. ربما اعتقد أن الوقت غير ملائم أو أنه من الضروري تهيئة أرضية سياسية وفكرية لعودة الحياة الديمقراطية. ولذلك نجده قد أطلق الحريات للأحزاب السياسية للعمل، فاستعادت بعض الأحزاب نشاطاتها كالحزب الشيوعي العراقي الذي تغلغل في المؤسسات المدنية والعسكرية والدوائر الحكومية والنقابات وجمعيات الطلاب حتى بات قوة كبيرة في الساحة. وحصلت بضعة أحزاب على تصريح بالعمل لكن وزير الداخلية رفض منح (الحزب الإسلامي العراقي)، وهو الفرع العراقي من جماعة (الإخوان المسلمون). وقد استأنف الحزب الحكم لدى محكمة النقض التي حكمت لمصلحته، لكن قاسم عاد ومنعه بعد بضعة أشهر. لقد كانت خطوات الزعيم تدل على نقص كبير في الخبرة السياسية والاجتماعية. فعلى سبيل المثال أصدر قانون الأحوال الشخصية دون الإلتفات إلى الموروث الديني والاجتماعي، فحاول إصلاح الأوضاع بواسطة قوانين فورية اعتقد أنها كفيلة بتغيير تراكمات قرون من الظلم والكبت والقمع. وقد أدى إصدار القانون إلى اصطفاف المؤسسات الدينية الشيعية والسنية لمقارعة الحكومة لأن الزعيم انتهك قانوناً إسلامياً ونصاً تشريعياً ورد في القرآن الكريم ولا اجتهاد فيه، وهو مساواة الأنثى بالذكر في الإرث.
ولا يمكن إنصاف الرجل دون الإشارة إلى إنجازاته وخاصة في البنى التحتية في التعليم والصحة والإسكان ،وإصداره قانون الإصلاح الزراعي، والقانون رقم 80 الذي قلص من نفوذ شركات النفط الغربية في العراق ،كما أخرج العراق من حلف بغداد الذي وضعته بريطانيا وأمريكا لتطويق الإتحاد السوفييتي .
أما شخصيته وأخلاقه فقد أصبحت مثلاً مقارنة برؤساء العراق الذين أعقبوه. إذ كان زاهداً، لم يسكن في قصر أو يشيد قصورا، وكان متواضعاً لم يتفاخر بنسب أو يعيب على الآخرين حسبهم. وكان عفيفاً مستقيماً لم يؤثر عنه هفوات أخلاقية رغم أنه لم يتزوج. ولطالما كان يعفو عن أعدائه ومناوئيه وحتى الذين حاولوا اغتياله. كان متسامحا مذهبياً، ولم يستغل مذهب والده السني ولا مذهب والدته الشيعية.
كان رؤوفاً بالفقراء والمعدمين وسكنة الأكواخ في أطراف بغداد، لذلك اهتم كثيراً بمشاريع الإسكان لإيوائهم وانتشالهم من المهانة والفقر مع أن البلد يعد من الدول المصدرة للنفط .