Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web



غياب التطبيق السليم للنهج الديمقراطي



تركي الصافي/ كاتب قومي
إن ثورة 14 تموز المجيدة، هي انتصار ساحق لشعبنا لأنها قامت بالإرادة الشعبية، وهي الحلم الوطني في التحرر والاستقلال والمطالبة الجماهيرية بالحريات والديمقراطية، وهذا الحلم راود مختلف قطاعات الشعب وكذلك أبناء القوات المسلحة، ولو نستعرض بصورة مختصرة أبرز المنجزات لثورة 14 تموز، سوف نلمس أنها ثورة جادة من أجل إحلال الديمقراطية في البدايات الأولى لها. وأهم المنجزات التي قامت بها:
تأميم نحو80% من الأراضي الخاضعة للتنقيب عن النفط، وتأسيس شركة النفط الوطنية، والتغذية المدرسية، وقانون الإصلاح الزراعي، قانون ضمان تقاعد العمال.. كما أصدرت الثورة الدستور المؤقت للجمهورية الذي نص على وجود الشراكة بين العرب والأكراد في الوطن بأعتبارها أكبر القوميات على الساحة العراقية، مع ضمان حقوق كل الأقليات داخل البلاد، وتم إستدعاء الملا مصطفى البارزاني بعد أن كان في المنفى قرابة 12 سنة قضاها في الأتحاد السوفيتي. هذه الأمور توحي لنا أن مسار الثورة سائر بالاتجاه الديمقراطي، لكن سرعان ما حصلت الخلافات بين القادة العسكريين من جهة والإحتراب السياسي من الجهة الأخرى.. والأمثلة كثيرة ونذكر أهمها (الصراع الذي حصل بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف) والإحتراب الآخر ومجازر الموصل.
وهكذا وبزمن قصير إنحرف مسار الثورة، والأحرى الإنحراف من القائمين بنهج الثورة، وحلّت الدكتاتورية محل الديمقراطية، والحكم الفردي بدلا من التعددية، وتناحرت الأحزاب بدلا من أن تكون متفقة من أجل وحدة العراق. لذلك أعتقد أن الخطوط العريضة للثورة التي رُسم لها لتحويل العراق إلى عراق موحد وديمقراطي كانت متوافرة، والدليل المنجزات التي قدمت عبر مسيرتها الأولى، لكن للأسف أن الأداة الفاعلة لنهج الثورة لم تكن قادرة على التطبيق السليم للنهج الديمقراطي مما جعل هيبة الثورة تتراجع، وأصبحت التكتلات السياسية والتكتلات العسكرية في صراع مستمر، أدى إلى فقدان الديمقراطية والانشغال بأمور آنية ذات مصلحة أحادية بعيدة عن التطبيق الديمقراطي.
لذلك لو كانت هناك فرصة أفضل وتحالف بين القوى الوطنية والقومية داخل البلاد، وهناك تفاهم عقلاني وعمل موحد من أجل وحدة العراق وتطوره نحو الأفضل وتطبيق ديمقراطي سليم، ممكن أن تستمر الثورة وتحقق المنجزات والعدالة الاجتماعية وتتحول إلى حكم مدني حضاري.
إن ما حدث في شباط عام 1963 كان المفروض أن يكون تصحيحاً للنهج الخاطئ، لأن الأداة الفاعلة لم تحقق الهدف المنشود لأبناء العراق والأمة العربية، لذلك قامت حركة 14 رمضان وباشراف حزب البعث وقد انضم إليهم القوميون وساهموا وأشرفوا على معركة وزارة الدفاع التي استمرت نحو 30 ساعة وانتهت باستسلام عبد الكريم قاسم.
نعود ونكرر ما ذكرناه في المحور الأول حيث حصل الاحتراب وحصلت حالات ثأرية ومأساوية، والديمقراطية تحولت إلى مجازر وإعدامات وتغلب الحقد والغضب على العقل، والمفروض ألا يحصل كل هذا طالما هي جاءت لأجل التصحيح ولأجل نهضة العراق، فَلِمَ هذا التحارب مع القوى الوطنية التي هي كذلك تسعى من أجل نهضة العراق... هذا بالإضافة إلى تشكيل الحرس القومي الذي خرج عن المبادئ المعلنة لتشكيله، وهي التعاون مع الجيش والشرطة في صيانة الأمن الداخلي ومكافحة الحرائق وحماية المنشآت الحيوية، وفي حالة الحرب يكون قوة إحتياطية لمساعدة الجيش وحماية المواصلات وأعمال الحراسة والدوريات. لكن الموضوع أختلف عما ذكر أعلاه، حيث أنيطت به واجبات هي أصلا من صميم واجبات وزارة الدفاع والداخلية والعدل، وبدأ التصادم بين الحرس القومي وجميع السلطات المختصة لأنه تحدى الأركان العامة للجيش والقضاء والأمن..، وحتى أن وزير الدفاع آنذاك "صالح مهدي عماش" حاول الحد من نفوذهم وهيمنتهم لكنه لم يستطع على ذلك واستمر الحرس القومي أنه سيد الموقف على الساحة العراقية، وحصل التذمر من قبل الناس والمؤسسات العامة، واستاء الجميع من تصرفات الحرس القومي حتى أطلقت عليه تسمية "الحرس اللاقومي" نتيجة التصرفات والأعمال الخاطئة التي قام بها.
لذلك فان الموضوع خرج عن الاطار الحقيقي لهذه الحركة لأنها جاءت لأجل "التصحيح" لكن الأمر مختلف تماما حيث التصحيح أصبح تخريبا وظلما خيم على كل مستويات أبناء العراق، وحالات الفساد الإداري والرشوة حدث ولا حرج. إذا حركة شباط تراجعت عن النهج الديمقراطي المرسوم في برنامج ثورة 14 تموز المجيدة، ولم تكن متممة أو مكملة لذلك النهج الديمقراطي، إنما النهج أصبح سلطويا دكتاتوريا أشد قسوة مما كان عليه سابقا. ولو أن الموضوع تم بعقلانية مدروسة، وفعلا كان هناك نهج ديمقراطي تتظافر حوله كل جهود الخيرين من أبناء العراق، ولو تمت الإستفادة من أخطاء الماضي وتصحيح الخطأ والسير بالنهج الصحيح الواضح وباسلوب ديمقراطي تعددي لكانت قد حققت للعراق المسار الديمقراطي الذي نهجته ثورة 14 تموز الخالدة ولما كان حدث العكس.
هنا أصبحت الديمقراطية غمدا ذهبيا لسيف الإرهاب السلطوي، واغتيلت الحرية بهذا الغمد. أعتقد لا يمكن التعامل مع هذا النظام الدموي، الذي عاد بالعراق إلى الوراء، وقد مورست كل أشكال التعسف والظلم وقهر الشعب بجميع أنواع الاضطهاد، إذاً كيف يكون التعامل مع "الراعي غير المسؤول عن الرعية".
أما الشطر الثاني من المحور عن كيفية ترميم البيت العراقي، باعتقادي لا بد من أن يتم على النحو التالي:
إن الرؤية الاستراتيجية لإنقاذ العراق وإجراء تغيير ديمقراطي شامل في الوطن تكمن في حل مشكلة الحكم، فهذه المشكلة تمثل أساس المحنة التي يعاني منها الشعب العراقي بجميع فئاته وطوائفه، ويتم إجراء تغيير ديمقراطي شامل وإعادة إرساء القيّم والمثل الوطنية الديمقراطية للسلوك الاجتماعي العام تمهيدا لبناء مقومات الحياة ومستلزماتها، ومهمة التغيير كالآتي:
1- مجئ حكومة شعبية مسؤولة من الشخصيات النزيهة والمعروفة بوطنيتها، وتؤمن بوحدة الوطن وتعمل لفترة إنتقالية على تحقيق التحول السلمي للسلطة كالتالي:
أ- إطلاق الحريات العامة للمواطنين كافة وتضمن حقهم في تكوين الأحزاب والجمعيات والنقابات والنشاط السياسي الحر وإصدار الصحف.
ب- تصفية القمع السياسي وآثاره واجتثاث جذوره ومعالجة أسبابه.
ت- دعوة العراقيين في الخارج للعودة والمساهمة في عملية إعادة بناء الوطن.
ث- وضع الترتيبات اللازمة لبناء نظام حكم ديمقراطي منتخب من الشعب على أساس من الاحترام لحقوق الإنسان وسيادة القانون.
ج- العمل السريع من أجل فك الحصار الجائر على أبناء العراق.
ح- الإعلان عن تطبيع العلاقات مع دول الجوار والدول العربية والصديقة، ونبذ العدوان والتخلي عن سياسة التدخل في الشؤون الداخلية.
2- الدستور: تتولى مهمة وضع الدستور والقوانين الأساسية المرتبطة به هيأة شعبية منتخبة بشكل حر ونزيه، ويتم وضع مسودة الدستور ويطرح للاستفتاء العام ويصوت عليه بما يضمن التعبير عن إرادة الشعب وطموحاته.
3- يتضمن الدستور الدائم مجموعة المبادئ والضوابط الأساسية التي تجسد الخيار الديمقراطي وتضمن تحقيقه عبر نظام دستوري برلماني "تعددي" تداولي.
4- الميدان الاقتصادي: ينبغي صياغة برنامج للإنقاذ والإنماء وتتركز مضامينه وأهدافه على تحرير البلاد من الآثار الاقتصادية للحروب والحصار الدولي.
إن بلوغ هذه المهمات يتطلب مستوى عال من العمل والمسؤولية والواقعية من جميع الأوساط والفئات السياسية، وتأكيد إبراز صوت الشعب والتعبير عن إرادته الحرة، وبالتالي توافر فرص كبيرة أمام كل الأحزاب الوطنية والقوات المسلحة للمساهمة في هذا الجهد الوطني التاريخي لضمان تحول سلمي تجنبا لإراقة الدماء ومخاطر الإقتتال الداخلي والتدخلات الخارجية.