إجهاض الثورة وحرف توجهاتها
رائد فهمي
(رئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة)
-1-
لنحدد أولاً المقصود بمسار ثورة 14 تموز.
جاءت ثورة تموز تعبيرا عنفيا لحل التناقضات السياسية والاجتماعية التي احتدمت أواخر أيام النظام الملكي بعد أن انسدت آفاق الحل السلمي لها بسبب لجوء حكومة نوري السعيد وسابقاتها إلى سياسة مصادرة الحريات واعتماد نهج متشدد إزاء القوى السياسية المعارضة وغلق جميع منافذ المشاركة السياسية أمامها.
فعلى الصعيد الاجتماعي، نجحت ثورة تموز في نقل السلطة السياسية إلى "الفئات" المتوسطة التي وجدت تعبيرها في حركة الضباط الأحرار، كما استطاعت الثورة أن تحقق أيضا العديد من الأهداف الوطنية، وفي مقدمتها تحقيق الاستقلال السياسي الناجز. ولكن كانت تنتظر الثورة طائفة أخرى من المهمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ذات المحتوى الديمقراطي، منها إقامة المؤسسات الدستورية الديمقراطية للدولة، وتحقيق الدمج الاجتماعي في الإطار الوطني العراقي للمكونات القومية والأثنية والدينية والطائفية المتنوعة للشعب العراقي بعد أن شهدت عملية الدمج الوطني هذه توقفاً وانحساراً منذ أوائل الأربعينات.
وبحكم الطبيعة غير المنسجمة للقوى الاجتماعية التي وصلت إلى دست الحكم بعد ثورة 14 تموز، كان من الطبيعي أن يدور صراع حول المسار اللاحق للثورة، وتشابكت في هذه الصراعات المصالح الفئوية والرغبة في السيطرة على السلطة، من جهة، والصراعات الاجتماعية الأعمق ما بين مصالح الطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة التي اجتذبتها الثورة إلى ساحة الفعل السياسي. وكان الصراع الفوقي على مستوى السلطة السياسية ما بين التيارات المختلفة داخل الجيش يعكس في جانب منه الصراع الأوسع في المجتمع حول الوجهة اللاحقة.
فالسؤال إذاً هل كان حسم الصراع فوقيا على صعيد السلطة عبر إنقلاب عسكري يضمن التطور التقدمي الديمقراطي اللاحق للعراق؟.
كل المعطيات التاريخية وشهادات شخصيات فاعلة في تلك المرحلة على توفر إمكانيات فعلية حينذاك للقيام بمحاولة تغيير فوقي في السلطة عبر إنقلاب عسكري يقوده عسكريون شيوعيون ومؤازرون لهم داخل الجيش. وكانت هذه "الإمكانية" موضوع اجتهادات وتقديرات مختلفة داخل الحزب الشيوعي العراقي وأنصاره الذي شهد حينذاك صراعا فكريا وسياسيا كان له انعكاسات تنظيمية داخلية حول الموقف من عبد الكريم قاسم وسلطته. ويدل مسار الأحداث على أن الغلبة كانت في النهاية للرأي المعارض لاستعمال العنف لمواجهة حكم قاسم داخل الحزب، وذلك لأسباب عديدة لسنا بصدد الخوض فيها.
أستخلص من ذلك بان الداعي إلى القيام بعمل حاسم لم يحظ بأغلبية كبيرة في قيادة الحزب، ضمن المجتمع وتعبيراته السياسية، في وقت كان تشابك يصعب تمييزه وفصله ما بين القاعدة الاجتماعية المؤيدة لقاسم وتلك المؤيدة للحزب، وبالتالي لا يمكن القول بأنه هناك تناسب قوى سياسياً داخلياً مؤات لهذا الخيار، كما لم تكن المؤثرات والموازنات الأقليمية والدولية تشجع عليه، ولو اعتمد هذا الخيار في ظل هذه الشروط، لاضطر على الأرجح، حتى في حالة نجاحه في البداية، إلى اللجوء إلى العنف لتوطيد سيطرته ولاستثار ردود فعل أقليمية ودولية قوية، وهذا ما قد يفسر في المطاف الأخير عدم رجحان هذا الخيار.
بالمقابل، كانت هناك إمكانيات حقيقية، لم يجر التوجه الجدي لتفعيلها، لدفع المسيرة نحو تعميق التحولات الاجتماعية والسياسية الديمقراطية عبر تنشيط الحركات الجماهيرية وتطوير نضالها السلمي من أجل انتزاع مكاسب ديمقراطية من السلطة وتكريسها حقوقيا ومؤسسيا. وبدل أن يدور الصراع على هذه الساحة، أندفعت قضية الديمقراطية إلى الوراء ليشغل الساحة السياسية صراع تفتيتي حول طروحات غير ناضجة لقضايا الوحدة العربية قامت على أساسها استقطابات سياسية مزقت قاعدة القوى الاجتماعية ذات المصلحة في التحول الاجتماعي والسياسي الديمقراطي. وقد فرضت هذا الصراع قوى سعت لإجهاض الثورة وحرف توجهاتها، وخاصة من القوى القومية والبعثيين وفي هذا السياق أيضاً، تتحمل القوى السياسية التقدمية التي كانت تملك رصيدا كبيرا في الشارع، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي، قسطها من المسؤولية في عدم لعب دور أكثر فعالية في النضال من أجل الديمقراطية السياسية.
أن مسألة إقامة الديمقراطية كشكل لنظام الحكم، لا تنفصل في واقع الأمر عن المحتوى الاجتماعي للدولة. وتشير التجربة التاريخية العالمية، أن قيام الحكم الديمقراطي يستقر عندما تحظى الدولة "برضا" قاعدة اجتماعية واسعة توفر لها مشروعية تكرسها وتعبر عنها العملية الانتخابية. وفي العراق، لا تزال المرتكزات الاجتماعية للدولة ضيقة لا توفر شروطا كافية لإقامة نظام حكم ديمقراطي، ولا يمكن القول أن العمليات التي أطلقتها ثورة 14 تموز قد بلغت مداها ونجحت في توسيع وتوطيد القاعدة الاجتماعية للدولة. لذا يواجه العراق الآن مهمة مزدوجة ومتشابكة تتمثل في توسيع قاعدة التمثيل الاجتماعي للدولة وإقامة حكم "ديمقراطي" مما يتطلب تغييرات بنيوية ومؤسسية عميقة.
يصعب القول أن ما دار في العراق كان مخاضا حتميا، وتحفظي ينصب أساسا على الجانب الحتموي في الحكم، ولكن الانتقال إلى الديمقراطية كصيغة للحكم لا ينفي مطلقا المرور بفترات يستعمل فيها العنف أو القسر الاجتماعي. وهنا أميّز ما بين العنف الذي تستعمله قوى اجتماعية مستغلة لتغيير نظام العلاقات الاجتماعية باتجاه تقدمي وبين عنف تلجأ له مجموعات معينة للقفز إلى السلطة والاستئثار بها.
-2-
إن السلطة الحالية تقبض بجميع مقدرات البلاد وتحتكر القرار بالحديد والنار، فهي لا تسد فقط جميع منافذ المشاركة، بل تعمل على إلغاء وجود أي طرف آخر مستقل عنها، ولم تضع بذلك نفسها خارج أي مسعى لترميم البيت العراقي وحسب، بل جعلت من نفسها العقبة الأكبر أمام أية محاولة جادة للخروج بالعراق وشعبه من الأزمة الطاحنة التي تلفه. وعلى مدى السنوات العشر الماضية، لم يطرأ أي تغيير على نهج وممارسة السلطة الدكتاتورية ما يبرر الدعوات المشبوهة لبعض الأوساط التي تحسب نفسها على المعارضة أو تدعي ذلك، لإقامة حوار مع النظام تحت ذريعة مواجهة المخاطر التي تواجه الوطن.
إن التطورات المأساوية التي شهدها العراق على مدى العقود الثلاثة الأخيرة تجعل مواطن الخلاف بين القوى السياسية المناهظة للحكم الدكتاتوري تتضاءل قياسا إلى ضخامة المحنة التي يواجهها الشعب والوطن. ولكن رغم وعي معظم القوى لذلك، لم تفلح قوى المعارضة حتى الآن في تجسيد وعيها هذا بصيغ عمل توحيدية، بل تنسيقية، تتناسب وعظم ما ينتظره الشعب العراقي منها.
ويدعونا هذا الفشل إلى اعتماد نظرة مختلفة عن السابق أزاء عملية تجميع وتوحيد القوى. فتحقيق صيغ توحيدية فاعلة لا يكفيه لقاء القيادات السياسية وإجراء الحوارات خلف أبواب موصدة تنتهي باتفاقات فوقية ذات طابع برنامجي متكامل، بل هي عملية مركبة وتراكمية ينبغي السير بها على عدة مستويات بصورة متوافقة. وخلافا إلى النظرة المركزية التي كانت سائدة سابقا، يجب بناء العمل الموحد عبر صيغ مرنة ومتنوعة وبأطر مؤقتة أو ثابتة تتوصل إليها القوى المتواجدة في ساحات العمل السياسي المختلفة على أساس ما يمكن أن تتفق عليه من مواقف وأهداف سياسية مشتركة. فقيام مثل هذه الأشكال من شأنه خلق ديناميكية ايجابية تسهم في تعبيد الطريق نحو صيغ أرقى للعمل المشترك، سياسياً وتنظيمياً.
ولكن ذلك لا يعفي من مسؤولية بذل جهد خاص على الصعيد الفكري والسياسي لتوسيع دائرة الاتفاق حول ملامح وخصائص البديل المزمع أقامته على أنقاض الدكتاتورية، فلا يزال البديل الذي تطرحه قوى المعارضة مجتمعة غير واضح تماما إزاء عدد من القضايا الأساسية التي تواجه العراق راهناً ومستقبلاً، فإحراز تقدم على هذا الصعيد يقدم رداً شافياً للتشكيك الذي تتعرض له المعارضة طلباً للتضامن، فضلاً عن أنه يساعد على منح أفق سياسيي محفز لأعمال المقاومة الشعبية البطولية التي تجري في الداخل والتي لا تزال تطغى عليها العفوية.
إن تحقيق ذلك يتأتى من خوض حوارات مسؤولة صريحة وبروح ديمقراطية تقوم على احترام الآخر ونبذ روح الاستئثار والإقصاء، تترافق مع خلق الأجواء الإيجابية وإشاعة روح الرفقة النضالية عبر تطوير الأعمال والنشاطات المشتركة على كل المستويات.