Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web



ذكرى الميلاد



علي شايع

عراق…آه ما أمضى هذه الحروف الأربعة كأنها الجهات كلها تكبو في كلمة واحدة ..أنها النار ذاتها لا تتبدل والحرقة ذاتها في الحـديث عن العراق..والحنين يكرّر كلماته دون أن يستيقظ لأسئلتها من جواب . أسئلة كثيرة تضع التاريخ في جهاته المعهودة جهة السؤال الأول..جهة الموقف..حين يُسأل مع من كنتَ.. وأين ستكون؟ (الكون موقف).. كونك أنت أم كون الكون.. لا فرق تميزّه في لحظات الهدنة مع الذات قبيل النوم.. ترى هل تخالج قلب الظالم نصير الطغيان؟.. هل لها أن تقلب ميزانه إلى جهة الحزن الشفيف؟.. وإذا أنقلب أبغير الندم تؤرخ كلماته؟.. ندم الإجحاف بأحلام من قتلوا وانتصرت يد الطغيان بتغييبهم.. ندم المهمشين المعلن غيابهم.. الذين يتسامون من غيابهم الجمْ إلى ذات عالية مترفعةٍ عن الفتات.. مسحوبين بقوة الغياب تتداولهم ألسن الأصدقاء بالألفة والمحبة الكبرى.. بهم يحلم الوطن وهم بين أضلاعه كأنهم موتى.. ومن يتمْ الحقيقة قرب صدقهم وعفّتهم نتعرّف إلى انتظارات هائلة لا حصر لها .. سوى إنها تتواكب في مرسى واحد هو نهاية اختطافهم .. إختطاف العراق.. من إنتظارهم يولد وطن لا يذرّ سنابله إلى النسيان نفياً أو تيهاً.. هؤلاء المتنزهين حقاً رغم حراجة الظروف الاقتصادية عن تعاطي أي سلوك أو علاقة شائنة مع النظام..هؤلاء الذين لم تلطّخ أقلامهم ولا أيديهم بدم الأبرياء.. الصامدون في عزلتهم المطلقة يئد الجوع قصائدهم أبناً.. أبناً.. ومنهم من باع كليته لإطعام هؤلاء الأبناء.. ظلّوا يكابدون جمر السنوات ونار الطغيان دون أن يتغيّر فيهم الملح الأول؛ لا يترك مقاصده ولا يترك لأغبياء السلطة أن يضعوا له طعماً يشوّه معجزته.. هناك حيث يعاقرون الظلّ حتى صارت الفجيعة تصرّ على سوادها في ظلالهم الناحلة كالشعراء.. هؤلاء الذائبة ذكرياتهم ربما حتى في زجاجة يهديها صديق هناك ـ حيث المشقّة تشي بظروفها وحيث للدمع صلبانه وجلجلته عند أول الثمالة.. هؤلاء لن نحتاج إلى تبرير مصائرهم.. لن نتمنى غير تكرارهم فينا.. كلّهم يتجمّعون في القلب ويلامسون بجلاء تلك اللوعة العتيقة.. لوعة أن يدفع الجلاد بأعمارنا إلى فوات الأوان.. لحظة يحوك لنا مصيراً مرتجلاً يحبكه له باعة الكلمة ويؤازره عليه تجّار الحرف.. تجّار الحرب.. الطبّالون.. ضاربي دفوفها وفيلقها التاسع..على مسدساتهم لمعان كما في أقلامهم وعيونهم.. يثيرون الرعب أينما حلّوا ولا ينتصر المعنى في حضرتهم إلا بما يشتهون له من كلام ناقم وغليظ كأسيادهم ساسة الهدم والدمار والوحشة .
يا ترى ما الذي يدفعهم لما هم عليه؟
ما الذي يدفع هذا الآخر ليتبنى فكرة التعارض والتضاد زاهداً بالجاه والمال ولمعان المسدس، وراضياً بالمرارة والعوز.. ما الذي يدفع جلاد الكلام ليستمر متشبثاً حريصاً وفرحاً بما عنده.. ترى ما حصيلة الأدلة لديه مواصلاً صلاته بالآلة الإعلامية بعد تجارب ثلاثة عقود وهزائم وخيبات متواصلة، إذ لابد من انه خلال هذه الثلاثين سنة حاول خلق ما يمكث في الأرض إرضاءاً لذاته أو إلتزاماً بشرف الكتابة لتأسيس موقف يعرفه الجميع أو في الأقل وجهة نظر شريفة إذا تحدث اثنان ذكراه عليها بالخير.. وكم سيكون فعلاً رائعاً انتصاره للحق في لحظة ما مثلما تأخير يوم يراكم الأسئلة أكثر فأكثر.. عند هذا الحد تتولد أسئلة أخرى. هل للموقف الجديد ما يؤسسّه؟
وفي أي اتجاه تأسس هذا الموقف؟ ..
وهل موقف الكاتب والأديب هو موقف انقلاب عسكري حتى يجد الآخر ما يبرّر ارتجاله وسرعته؟
ألذلك تتسابق الأقلام لتكتب موقفاً هو ذاته تسابق الحرباء بجسدها؟
وهل لهذا الموقف الجديد ما يمسح عن التاريخ كلّ التباس حتى يعود التاريخ أبيض كما ولدته أمه؟!
وهل للتاريخ لون غير ما تراكم من دمٍ وجفَّ من جفَّ من حزن ٍ فاصبح كإرث غامض لا نميزه من شدَّة ما تراكم على جنباته وأتشَّح خوفاً ورعباً.
قبل أشهر استعرت من أحد الأصدقاء العدد السادس من مجلة
((المسلة )) الصادرة عن الاتحاد العام للكتاب والصحفيين العراقيين ..
العدد صادر في نيسان 2000 ومن كلمة الافتتاحية حاولت معرفة الخطوط العريضة لتوجه المجلة.. وتوقفت طويلاً مع آخر جملة في الافتتاحية ((.. وبذلك فالمسلة متقاطعة مع إنتاج الآلة الإعلامية والثقافية للنظام التي تكرس الطغيان وتجعل من الكارثة شموخاً)) !! .
ووجدت في هذا الكلام ما يحاوله كل مثقف عراقي يشخِّص مطامح الواقع الثقافي وتداخلاته السياسية في الخريطة العراقية.. الآن بعدما أصبح قميص عثمان أكثر من أي وقت مضى يترامى به في كل حدب وصوب.. حتى أشتبك الحابل بالنابل وصار تعكير المياه الطريقة السهلة للصيد الوافر، ولاحتطاب الادعاءات من شجرة العراق كالذي وجدته في مقالة من عدد المسلة المذكور أعلاه بعنوان ((خمس أوراق .. من شجرة العراق)) للسيد عبد الغفار الصائغ حيث يؤرخ لأوراقه : ( من شجرة العراق .. من أوراقها السحرية والساحرة معاً يقرأ العراقيون ما خفي عنهم وما أراده أعداء الحب في العراق أن يخفوه أو يعدموه أو ينهونه وتبقى أوراق شجرة العراق كلّ منها سفر). ومن محاسن الصدف أني عثرت على شيء من هذا السفر (سفر العراق).. أعني جريدة العراق الصادرة في بغداد في 25 نيسان 1998.. وقرأت فيها مقالاً أحتفظ بنسخة أصلية منه، المقال بعنوان (( في ذكرى ميلاد علم العراق الخفاق))
للسيد عبد الغفار الصائغ الذي أنتخب بعد سنة من هذا التاريخ رئيساً للاتحاد العام للكتاب والصحفيين العراقيين!! .. أضع المقالتين امامي، كلا المقالتين في نيسان من أصدّق وأيهما تنتمي إلى كذبة نيسان.. يبدأ الصائغ الورقة الأولى هكذا : (( يقول الميكافياليون ومن من مدرستهم أكذب .. أكذب حتى يصدّقك الناس )) ويضيف (( وصدام أخلص وأصدق وأعرق تلميذ في مدرسة ميكافيلي )) أنظر في مقالة الميلاد فأرى من المديح والتزلّف والتمسكن.. حداً أانف عن إعادة حرف منه لما فيه من إنتاج ثقافي هائل يكرّس للطغيان ويجعل الكارثة شموخاً، على رأي مجلة المسلة.
الى (البيت العراقي) أرسلت نسخة من المقال وسأترك للقارئ ليكتشف "ميلاد الإنسان.. والقائد والمعلم .. والحكيم .. وصانع الحضارة" ليكتشف القارئ هؤلاء ممن جعلوا من كل كوارثنا شموخاً .. وجعلوا من السفاح "قدر العراق الأغّر .. وقمره .. وأمله .."
اترك للقارئ أن يرى "مجدد المآثر القومية .. والفكر العربي الجديد" أترك للقارئ ان يكتشف في مقال الصائغ مجرد عريضة رخيصة متملقة لشرف "المثول أمام عظمة التاريخ عبر شخصيته المهيبة" .. ثم أعاود النظر في مجلة المسلة فأقرأ "واذا كانت شمس العراق لم يستطع جلاد العراق إخفاءها بغرابيله ولم يقدر على منعها من الشروق في موعدها والرحيل في موعدها الآخر ، فأن شجرة العراق لم يستطع طاغية العراق - الحبيب والرائد والقدوة .. والأب والصديق والرفيق والنموذج - أن يقطع أو يمسح كل أوراقها".
ويختتم السيد الصائغ مقالته - في المسلة- بدعوة لكل الأخيار "أوراق كثيرة من شجرة العراق كلّها تتزاحم ، وكلّها ستجد سبيلها الى القراءة، معي كل أبناء العراق، كل الأخيار، داخل الوطن، أو في المنافي الاختيارية والجبرية، المهم توثيق كل الأوراق" .. واستجابة مني لدعوة السيد الصائغ في أهمية التوثيق أنشر هذه الورقة.. والبقية تأتي.