البئر والعسل
(عن ميثولوجيا الحجم في العمل الفني)
2 - 5
صلاح حيثاني
2- العمل الأفقي (العرضي)
لا بد من أننا سنلاحظ ثمة تقاربا واضحا وعلائق مشتركة بين العرض والطول. ففي العمل العمودي (الطولي) وكما رأينا، ثمة قيامة عمودية تختبئ في التجويف الأفقي -التابوت- وكذلك الحال في النهر ومثاله الطولي ومسيرته الغامضة نحو زواله بزوال عموديته، والمسلات الشاخصة طوليا والكتب التي تُنشَرُ عموديا.
ما أريد تسميته بتداخل نسيجي بين المستويين العمودي والأفقي شئ لا غنى عنه في تأكيد الحالة الفنية في الأمثلة السابقة.
فالجسد الذي يأخذ أفقيته من شكل التابوت الذي وُضعَ فيه وزوال أفقيته لاحقا في قيامةٍ منتظرة هو أنتقال من حالة التوازي إلى حالة التقاطع. وهنا نرى أن ثبوت الأفق وبالمقابل تحوّل العمود (الطول) إلى حالةٍ جديدة، وفي مثال النهر نجد أن الجسر هو الأفق الذي يقطّع عموديته إلى حالات متنوعة، وسيكون التدوين العرضي هو الأفق الذي يقطع عمودية المسلة أو الكتاب المنشور.
ومن هنا نجد أن أشياء أخرى غير الإستطالة هي التي تدفع التقارب بينهما وتجعله جزءاً من الحالة ونسيجها. وتأسيسا على العملية التي كانت وراء نشوء إولى المفازات والقرى (ميثولوجياً) بالخطى الواسعة والعميقة التي خلفتها أقدام الرجل الأول (آدم) فإن ذات الرجل كان وراء نشوء حالات متنوعة من التقاطعات الطولية والعرضية حين يتمدد طلبا للنوم. فالنوم في هذه الحالة ليس زوالا لعموديته وإعلانا لأفقيته وحسب. بل تعطيلا للحالة ونسيانا لشراساتها، فالعمود هو الحركة، أي الانتقال والحركة. فالمشي يكون من هذه الحالة وما ينشأ من الحركة فهو متحرك، ومن هنا نجد أن الحياة تدنُ في المفازات والقرى لنشوئها من حالة الحركة والتحول (المشي).
والأفق هو السكون (أو هكذا يكون) كما هو الحال في مثال التابوت، وما نشأ عنه فهو تابع لسكونيته لثباته عليها. وفي اللسان الأفق ما ظهر من نواحي الفلك وأطراف الأرض وآفاق السماء ونواحيها، ورجلٌ أفقيّ، المنسوب إلى الآفاق.
ولا ريب أنني أتعامل مع (أفق) بمدلوله الحديث وأجعله موازياً للعرض، فالعرض هو ما يظهر من نواحي الأرض بعد أن يتقاصر الطول، وفي الحقيقة هو تأكيد على إشتمال العرض على الطول ضمنا. وفي النص القرآني (وجنة عرضها السموات والأرض) أو (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض)، ولقد تساءل أحدهم عن طولها إن كان هذا عرضها، فكان إشتمال العرض على الطول، هو ما جعل الإعرابي المنسوب ذاته إلى الأفق- العرض، يقنع بالإجابة- فليس الإعرابي أن يرضى لما يرى بل بما يريد أن يرى.
والعروض هو الطريق بين الجبال.. أي الشاق المسلك، كذلك الجمل الذي لم يروّض، أو فحوى ومحتوى الكلام. وهذا يقود إلى أصل كلمة عروض الذي أراد بها الفراهيدي أوزان الشعر العربي، فالشعر أوزانه وعروضه وضروبه نشأ في الصحراء دون الحاضرة، وما أراده الفراهيدي هو إعادة ترويض هذا الكائن الأفقي وتقعيده بمجموعة بحورٍ وأوزان ليسلس قياده من الجميع. وكأنه بذلك يعيد ألينا أسطورة الإعرابي الذي فتح نصف الأرض وقدمه لم تغادر أرضه الأولى بعد.
ومع ذلك لم يسلس الشعر قياده إلا إلى قلةٍ من الشعراء وهؤلاء هم الفحول، والفحل ذاته من كنى الإبل، أي صحراوية أفقية. وبعيدا عن القاموس وإحالاته ومولداته أشير إلى ظاهرة التدوين الأفقي في الجداريات الضخمة التي عرفتها الحضارات الأولى والتي تشتمل عرضا لمصائر ملوكها وقوادها وكهنتها وما مرّت به من أحداث وتدوينات لمشاهد من حيواتهم اليومية، كالصيد وتقديم الهدايا.
وأجد أن التدوين التشخيصي كان أفقيا بشكل يكاد يكون دائما، عكس التدوين التوثيقي (الكتابي) فكان يتخذ هيأة عمودية. فالعين تتابع ما أمامها من جهات وتختزن ما يحدث وهوغالبا أشياء تمارس حضوراتها وحيواتها على الأرض وفي امتداد عرضي، فالصيد مثلا مطاردة في العرض، ومن هنا يستعرض الصياد فرائسه أو يستعرض القائد جنوده والملك رعيته. ومشاهد الصيد في الجداريات الآشورية تأخذ بالألباب بمتانة خطوطها وجمال استعراضها لجميع محفوراتها، فالطريدة ليست أقل مهابة وحضورا من الملك ذاته، وهناك محفورات وأختام سومرية وكلها أفقية تعيد تقديم الهدايا أو مشاهد يومية وأحيانا لاهوتية رمزية.
وانسحبت الجداريات الأولى بحجومها ودلالاتها على النصب الحديثة، كالجداريات التي نُفذت في المكسيك وتشيلي في أمريكا الجنوبية، وجورنيكا بيكاسو ونصب الحرية لجواد سليم. وقد تكون الأعمال الأفقية الصينية واليابانية سلفا واضحا للأعمال الأفقية في القرن العشرين بعد شيوع نسخٍ من المحفورات الخشبية اليابانية في أوروبا وتأثيرها العميق في مسيرة مجموعة كبيرة من الانطباعيين وخصوصا في فرنسا أواخر القرن التاسع عشر. ومعروف أن الكتابة الصينية واليابانية غادرت عموديتها بأتجاه التدوين الأفقي. وبعد منتصف الأربعينات تحول العمل الأفقي من تجارب معدودة إلى ظاهرة ملموسة عند بعض فناني تجمع نيويورك، كبولوك ومجموعة من أعماله التي تنتمي إلى ما يعرف بالفن الحركي ذات الإمتدادات العرضية والتي أستمر في تنفيذها حتى عام 1956 وهو العام الذي توفي فيه.
وفي تجمع كوبرا كان تبني الحجوم غير المألوفة تعزيزا لطرحهم الصدامي مع القيم الفنية السابقة، ونجد في هذا الصدد مجموعة أعمال لكارل أبل (APPEL) أنجزها قبل عام 1948 (وهو العام الذي شهد ولادة كوبرا) واستمر بإنجازه لهذه الحجوم بأمتداداتها الضخمة. ولكورني (CORNELLE) مجموعة طباعية على الحجر وطباعة مرتفعة على الخشب واللينوليوم أنجزها في مدد مختلفة ابتداءً من بداية الخمسينات، ولكن تبقى تجارب الفنان الدانماركي (ASGER JORN) والبلجيكي (REINHOUD) هي الأكثر حضورا.
ففي حالة (JORN) فقد نفذ أعماله العرضية بتقنيات مختلفة وطرق عديدة. من التقنية التقليدية بالصباغ العادي إلى تجارب سيراميكية مدهشة ونسيج صوفي، وكان لأعماله هذه صدى واسع، وعرضت في طائفة من المتاحف أشاد الفنان الفرنسي المعروف (SAND) بمتانتها وإمتداداتها المدهشة، ولقد أوحت له بعد منتصف الخمسينات مجموعة أعمال عرضية جميلة نفذ بعضها بذات طريقة Jorn (النسيج الصوفي).
وأما رين هاوت (REIN HOUT) الفنان البلجيكي فلقد نفذ أعمالا أفقية مهمة وذائعة بطريقة الكلائش المعدنية والأبرة الحافة.. تمتد أحيانا لعشرات الأمتار كما في عمله المعروض في غاليري (VAN DER VET) بدنهاخ 1م×8م وعملا آخر بمساحة 1م×60 م.
أما في المحترف الأمريكي فكان العمل الأفقي جزءاً من السلوك العام الذي كان يبحث عن الاختلاف والخصوصية ليؤكد وجوده بمعزل عن التأثيرات الأوربية التي كان وفودها قد تواتر على أمريكا في أثناء الحرب العالمية الأولى وما بين الحربين وخلال الحرب العالمية الثانية، ثم تركز بعد أن تحولت مجموعة من المدن وخصوصا نيويورك إلى بدائل عن العواصم الفنية التقليدية في أوروبا، كباريس وبرلين، مع وجود الاستقرار السياسي والاقتصادي ومجموعة من الوسطاء الفنيين المرموقين ومقتني الأعمال والمؤسسات الثرية.
لذا شهدت قاعات الفن في أمريكا صرعات تجديدية كبيرة في معالجة السطوح وإستعمال المواد المختلفة بتقنيات متنوعة كالرسم والطباعة على سطح واحد، وما يعرف بالعمل التشكيلي التجميعي وهو يشتمل على المعالجات التقليدية بالصباغ ومواد مختلفة.. كالبوق مثلا في أحد أعمال راوشينبرغ في إنشاء واحد للعمل. وضمن هذا السياق نستطيع أن نفهم مجموعة من الأعمال الأفقية كعمل راوشنبيرغ المعروف (أثر الدولاب) وهوعمل طباعي يمتد إلى أكثر من ستة أمتار أما عرضه فدون الثلاثين سنتمتراً وتم تنفيذه بتمرير (دولاب) عجلة سيارة بعد دهنها بأحبار طباعية على الورق.
سأكتفي بهذا القدر من الإشارة إلى أعمال الفنانين العالميين وتعزيزاً سأشير إلى مجموعة فنانين عراقيين كان لهم تجارب في هذا المجال. وأبدأ بظاهرة الفنان ضياء العزاوي بأعماله التوريقية الأفقية، وكانت تدوينات بصرية لقصائد مجموعة من الشعراء، كأدونيس ومظفر النواب وفوزي كريم.... وهي منفذة بالأحبار والأكواريل على الورق. وفي ذات الإطار نفذ الفنان صادق كويش مجموعة مشابهة بمواد مختلفة على الورق بالطريقة التوريقية الأفقية.
ونتذكر عمل (الشهيد) للفنان فيصل لعيبي الذي جاوز الثمانية أمتار وكان عملا مفصليا كما أصطلح عليه الفنان ذاته في مسيرته. وعمل (الرصيف) للفنان ستار كاووش الذي نفذه في منتصف الثمانينات في العراق ويمتد إلى 80 سم×10 أمتار، وكان هذا العمل أساسياً أيضاً في تجربة الفنان كاووش، وحاول فيه أن يتعقب الحياة من خلال ما يدب على الرصيف في طريقة شريطية تسجيلية.
وللفنان محمد قريش مجموعة أعمال أفقية بدأ بتنفيذها منذ عام 1999 بمواد مختلفة على الخشب، وشارك فيها بمجموعة معارض وتمتاز بألوانها الحارة الصريحة، وهي تقترب في إنشائها وإخراجها من مناخات كوبرا التي تركت تأثيرها على مسيرة الفنان قريش حسب تعبيره.
ولكاتب هذه السطور مجموعة أعمال أفقية بعضها بطريقة الكتاب التوريقي الأفقي، وكانت تدويناً لمجموعة من قصائدي، يمتد بعضها بقياس 20م×4 أمتار. ومجموعة أخرى منفذة على الخشب والورق والقماش بمواد مختلفة.
إن العمل الأفقي هو كالرجل الأفقي... ينبذ المركز ويراهن على الطرف القصي، ينبذ المدينة لأنها تقوده بعيداً عن صحرائه.. فالأفق يحقق حضوره كلما أشتدت عزلته، وهو في وحدته هذه يدوّن الحياة كما يسعى إليها ويريدها لا كما يراها.