بعيداً عن العناوين العريضة
قبل الحديث عن (المسرح العراقي في المنفى) ينبغي أن نطرح على أنفسنا السؤال التالي: هل هناك مسرح عراقي في المنفى؟! الجواب بكل تأكيد .. لا. إن وجود مخرجين وكتاباً وممثلين مسرحيين عراقيين في المنفى لا يعني بأي شكل من الأشكال وجود "مسرح" وبالتالي فان مسألة مناقشة (المسرح العراقي في المنفى) مسألة غير دقيقة وتحتاج إلى إعادة صياغة. وهذا لا يعني بطبيعة الحال عدم وجود تجارب مسرحية عراقية مهمة.. إذ يمكنني أن أذكر بهذا الصدد العديد من التجارب الممتازة وفي طليعتها تجربة الفنان المخرج المبدع جواد الأسدي الذي يشكل ظاهرة مسرحية عربية قبل أن تكون عراقية.. وأعماله تعرض في أنحاء العالم العربي وأوروبا كافة. وتجربة الفنان الدكتور عوني كرومي المتفردة في المانيا. ثم تجربة الفنان المخرج حازم كمال الدين في بلجيكا "سأتناول مسرحيته الأخيرة بالتحليل" وكذلك تجربة الفنانة روناك شوقي في بريطانيا وبعض التجارب الخجولة في هولندا والسويد والمانيا واستراليا.
إن المسرح فن متطلب.. ووجود كاتب ومخرج وممثلين غير كاف لإنتاج عمل مسرحي في هذه البلدان (المنافي). ثم أين هو الجمهور؟؟.
مثال بسيط على صعوبة إنتاج أعمال مسرحية متميزة: قبل عامين عرض لي عمل مسرحي (شخصية واحدة) تطلب عرض هذا العمل ستة أشهر من التمارين وما يقرب العشرين ألف خلدن هولندي.
إذاً فبدلاً من الحديث عن هذه العناوين العريضة (المسرح العراقي في المنفى) أقترح أن نفكر أولاً بإنشاء فرق مسرحية عراقية جادة هنا أو في المنافي الأخرى.. وأن ننسى ثانياً التحزبات والأمجاد الشخصية إذا كنا جادين حقاً في احياء التقاليد الرصينة للمسرح العراقي.
رأس المملوك جابر.. لفرقة صحراء 93
صحراء 93- فرقة مسرحية بلجيكية أسسها المخرج العراقي حازم كمال الدين عام 1993 وقدمت عددا من الأعمال المميزة طوال السنوات الماضية في كل من بلجيكا وهولندا. آخر أعمال هذه الفرقة مسرحية (رأس المملوك جابر) للكاتب السوري المعروف سعد الله ونوس، مترجمة من الألمانية إلى الهولندية، ومن إخراج حازم كمال الدين.
ما ميز عمل هذه الفرقة هو مزجها بين التقنيات والعناصر الشرقية (العربية خصوصاً) والعناصر الغربية. فالمعروف إن التأثيرات الشرقية على المسرح الغربي تمتد لفترة طويلة خصوصاً تأثيرات المسرح الهندي والصيني والياباني. أما تأثيرها على المسرح التجريبي بالتحديد فإننا نجدها طاغية في مسرح ماير هولد وكروتوفسكي وبرخت. ماير هولد الذي مزج بين البيوميكانيك والكوميديا والاكروباتيك وكروتوفسكي الذي أدخل التأثيرات الحسية الشرقية على لغة الجسد. في مثل هذه العروض التي تعتمد أساساً على الإيماءة الصوتية والجسدية وتأويل الخاص إلى عام لا يعمد المخرج إلى استعمال الكثير من قطع الديكور والاكسسوارات.. بل يؤكد على إتقان الاداء ودقة التعبير ما جعل كروتوفسكي يطلق على هذا النوع من المسرح بالمسرح الفقير.
في مسرحية رأس المملوك جابر قام المخرج بإعداد النص من جديد واختزل الشخصيات إلى أربع مبقياً على الحركة المحورية، الراوي، الموسيقي، الجانب الايروتيكي (العناصر الشرقية العربية) وعلى الفعل الحركي المتمثل بالإيماءات الجسدية التي تقترب من الرقص التعبيري أحياناً ومن الحركة الآلية أحياناً أخرى (العناصر الغربية). المزج بين هذه العناصر المتضادة في عرض مسرحي يعتمد على الحكاية والراوي أمر غير مألوف بالنسبة للمشاهد الغربي.. فقد اعتاد هذا المشاهد أن يسمع الحكاية من بدايتها إلى نهايتها دون إنقطاعات، بينما في مسرحية رأس المملوك جابر يتوقف الراوي فجأة ليترك للمثلين إكمال سرد الحكاية ولكن عن طريق إيماءات وحركات وأحياناً عن طريق أصوات غالباً ما تكون حشرجات أو تأوهات غير قابلة للتفسير كأن المخرج يهدف من ورائها إلى إيجاد حالة من التواصل بين الممثلين والجمهور. ولم يكتف بذلك، فقد قسم مكان العرض بين الممثلين والمشاهدين بحيث جعلهم يجلسون ضمن إطار واحد لكسر أي حاجز يمكن أن يعزل المتفرجين عن العرض وبالتالي لإشراك المتفرجين في صناعة العرض.
وقد عزز ذلك حينما استعمل التول الأبيض الخفيف لصناعة جدران المسرح، إذ يمكن للمشاهد أن يرى كل شئ يجري خلفها، وليس هذا فقط، فقد كان الممثلون يزيحونها ويسدلونها بين حركة وأخرى للتدليل على أن هذه الجدران "جدران المسرح" جدران وهمية. إن مشاركة الجمهور في مثل هذه العروض يشكل جانباً مهماً وأساسياً في استمرارها لأنها عروض تجريبية، والعروض التجريبية لا تجتذب جمهوراً عريضاً عادة.. لأن التجريب ينطلق من فرضية وليس من حقيقة أو واقعة أو نقطة محددة. في هذا النوع من المسرح يكون كل شئ مدروساً بعناية فائقة وله مبرراته الفكرية والفنية ذلك أن المخرج هنا لا يزوّد الممثلين بحقيبة من الحيل من أجل فكرة العمل المسرحي إلى الجمهور، بل في التأثير أولاً على الممثل نفسه لنقل (التأثير) وليس التوصيل إلى المشاهد.
ولقد ساهم الممثلون بإنجاح العرض المسرحي إلى درجة كبيرة جداً بأدائهم المتقن وفهمهم العميق للشخصيات وتضحياتهم الشخصية في أداء بعض الحركات التي تتطلب أحياناً الظهور شبه عراة أو الحركات التي تتطلب جهداً جباراً لإنجازها. وقد قام بأداء دور جابر الممثل المدهش كارل ردرز ودور الراوية الممثلة الرائعة تانيا بوبا إضافة إلى الممثلين الشابين الممتازين ايكو نوح وتنيكا كالس اللذين استطاعا أن يلعبا أكثر من دور بقدرة واضحة. أما الموسيقى "عبد القادر زحنون" والسينوغرافيا والإنارة فقد كانت العنصر المكمل لعمل المخرج والممثلين والتي من دونها ما كان للعرض أن يكون بهذا المستوى من الجودة والاتقان.
الفنان خليل شوقي في مسرحية:
"عـــرب"
كريم النجار
عرضت على خشبة مسرح شمال هولندا (NNT) في مدينة خروننخن في 21/4/2001 ومدة ثلاثة أسابيع مسرحية (عرب) من إخراج الفنان الهولندي كوس تيربترا ومن تمثيل الفنان المسرحي والسينمائي العراقي خليل شوقي مع الفنان الهولندي "يورخ مولينار" والفنان فارس شوقي.
وهذه هي المرة الأولى التي يشارك فيها الفنان الكبير خليل شوقي (77 عاماً) مع كادر فني هولندي بعد رحلة فنية حافلة منذ منتصف أربعينات القرن الماضي خاضها (إخراجا وتمثيلا وكتابة وسيناريو) في المسرح والسينما والتلفزيون العراقي، كانت آخرها مشاركته في مسرحية (السيد والعبد) عن نص مسرحي يعود إلى ما قبل الميلاد من إخراج الفنان عوني كرومي وتمثيل خليل شوقي ومنذر حلمي عرضت في برلين ولندن والسويد.
تتمحور ثيمة العمل على استرجاعات مشتركة لفنانين كبيرين بالسن والتجربة، تتداخل فيها المعاناة وأسلوب التفكير المختلف للثقافة والقيم الإنسانية والتفاوت في وجهات النظر. فخليل شوقي فنان يمتلك الخبرة والرؤية الحياتية والموقف تجاه ما يدور في الحياة وشؤونها المختلفة والثقافة العراقية الرصينة، والفنان يورخ كذلك.. فهو فنان مسرحي كبير في التجربة والعمر ومتشرب بالثقافة الهولندية والأوربية بشكل عام.. كل منهم يعرف ثقافة وتقاليد بلده بمعزل عن ثقافة الآخر.. ومن هذا المدخل استطاع كوس تيربترا أن يفتح باباً مشرعة ليطل عبرها على حياة أشخاصه والغور بعيدا في تفاصيلها.. ومن ثم رؤية أفكارهم وتصوراتهم لحياة طويلة حافلة بالفن والعطاء والمواقف.. فيورخ يسأل خليل شوقي (وبالعكس) عن كيفية حياة الناس هناك في بلاد ما بين النهرين.. أو الحياة في البلاد المنخفضة.. كيف يفكر الناس؟ كيف يعملون؟ ما هي أفكارهم بخصوص الفن والعمل .. والمرأة.. كيف يصنعون حريتهم أو (طائراتهم الورقية). ومن ثم كيف يعيش الناس المختلفو الثقافات والتقاليد هنا في هولندا.. أسئلة تتبع أسئلة بمعالجة درامية تعتمد على قوة أداء الممثل وحركات وجهه ويديه واسترخائه كذلك.. ومن مقدمة العرض نقرأ:
(عرب) .. هو عرض يقوم على مناظرة بين الثقافات والقيم الإنسانية. كيف كان الهولنديون ينظرون إلى العالم العربي خلال الثلاثينات والأربعينات وفي الفترة اللاحقة؟ وكيف ينظر العالم العربي إلى الهولنديين؟ وماذا يمكننا أن نفعل في هذا المجال؟ ومن الذي يحدد الطريقة التي نفكر بها؟.
الذي شاهد مسرحية عرب لا بد من أن يخرج باستنتاج أن هذا العمل يفتقد إلى الحركة الدرامية المسرحية المتعارف عليها في المسرح (وبشكل خاص في المسرح العربي) على المستوى البنائي للنص أو على مستوى مهارة الممثل وحركاته وعناصر المسرح الأخرى كـ (الإنارة والديكور والمؤثرات الصوتية).. فهو عمل يقترب من جو المحاكاة والمناظرة وفهم الآخر.. لكن على وفق رؤى حياتية معاصرة متداخلة مزحومة الأفكار والتصورات.. ومن هنا تأتي فرادته .. خليل شوقي يتحدث بالعربية ويورخ يتحدث بالهولندية.. وكل منهم لا يفهم لغة الآخر.. وهنا استطاع المخرج أن يجعل دور المترجم (فارس شوقي) عنصرا تمثيلياً آخر، يترجم ويتحدث ويندفع ويتأثر ويثار أيضاً.. وعلى مدى أكثر من ساعة ينشّد الجمهور (وكان أغالبيته من الهولنديين ونسبة أقل من العرب) منصتاً إلى ما يتحدث به الممثلون وإلى حركات وجوههم وأيديهم وإنفعالاتهم وتساءلاتهم وأحلامهم وقفشاتهم.. في موافقة ذكية عمل عليها المخرج والفنان خليل شوقي الذي بانت بصماته واضحة حتى في صياغة النص وإعادة تأثيثه.
ومسرحية عرب .. كما جاء في التعريف بها أيضاً.. (إمتداد لعرض حميمي ومثير للغاية سبق وإن قدمه (كوس تيربسترا) قبل عدة أعوام تحت عنوان " قصص من الماضي " قدم فيه أربعة من الممثلين المتقدمين في السن بالتحدث عن حياتهم الماضية وعن سنوات طفولتهم وشبابهم. يورخ مولينار كان أحد من شاركوا في العرض السابق ويقوم الآن هو وخليل شوقي بعرض حياتهما الإعتيادية وبخلط وتوزيع الأوراق من جديد.).
من ثنايا هذه الثيمة وجدليتها تنطلق فكرة المسرحية لتقودنا إلى محاورة تتماثل عبرها ثقافتان مختلفتان ورؤى تحاول ملامسة الواقع والخوض في غمار مشاكله من أجل المساواة الإنسانية.