الفنان المسرحي فارس الماشطة
من الصعب أن تقدم عملاً كوميدياً لمتفرج عراقي
عرفت الفنان المسرحي فارس الماشطة منذ أواسط السبعينات، بروحه المرحة دائما والجادة في غمار العمل الذي كان ينغمر فيه إلى حد التماهي.. فتراه دائم الحركة ولا يستكين نتيجة لتعب الوظيفة وإنشغالاته الأخرى، وهو لا يبتعد في يوم من الأيام عن خشبة وهموم المسرح، حيث كانت تعذبه الفكرة التي يمسك بها ويحاول إنجازها بكل ما يملك من القدرة والوقت.. كان يتنقل بين العمل الوظيفي وفرقة مسرح اليوم، تلك الفرقة العريقة بكادرها وتاريخها الفني، وبين البحث عن حلول لمسرح جديد يكون عناصره كلهم من الهواة.. رأيته ممثلا تلقائيا في مسرحية بغداد الأزل بين الجد والهزل ورأيته مخرجاً وممثلا يمزج الكوميديا بالتراجيديا في مسرحية البيانو.. وما بينهما كان يجهد نفسه معنا (نحن مجموعة من هواة ومحبي المسرح فيهم الطالب والعامل والموظف والشاعر والعاطل) حيث شكلنا فرقة شبابية وقتها، وكان اختياره لنص شعري مكتمل البناء كتبه الشاعر يوسف الصائغ كان من المؤمل عرضه أواخر السبعينات على الجمهور لكنه توقف لهروب وسجن واختفاء أغلب العاملين المشاكسين به..! فتوقف حلم كان يراودني أن أعرف أسرار هذا العالم الواسع والعصي الذي أعني به المسرح.
غادر فارس الماشطة العراق في أوج عطائه الفني ورست مركبته الفنية المندفعة عند سواحل الشمال الأفريقي (في الجزائر) حيث عمل وأخرج العديد من الأعمال المسرحية هناك وبعدها في ليبيا ومن ثم انتقاله بعدما انقطعت به السبل إلى هولندا قبل أربع سنين.
التقيناه هنا بعد غيبة طويلة غاب فيها عن المسرح، وبعد مشاهدتنا لمسرحيته (عليكم سلاما) المعدة عن ضرر التدخين لتشيخوف التي أخرجها ومثل فيها مع الفنانين وسام العزاوي وحسين الخطيب وكان الحديث التالي:
- هناك ملاحظة تثار عن فارس الماشطة، الفنان المسرحي الدؤوب الذي لا يستكين للخمول أو راحة البال، مرور أكثر من أربعة أعوام على وجوده في هولندا لم يحاول خلالها تقديم عمل مسرحي متكامل كما كان يقدمه في العراق أو الجزائر أو ليبيا، الأماكن التي شهدت أوج نشاطه.
- الوضع هنا في هولندا مختلف بعض الشئ، فأنا حين قدمت من أجواء احترافية في الجزائر أو ليبيا، رغم الإمكانات المحدودة هناك، إلا أنها لا تقارن بالظروف التي كانت متاحة ليّ في تلك البلدان، ففي الجزائر كان لدينا مسرح مجهز كامل ومحترف (بمعنى فيه جهاز توزيع النتاجات وفيه مجموعة كبيرة من المصممين كما انه مسرح ضخم يشبه دار الأوبرا تركته فرنسا ومشيد منذ عام 1810م، وكانت هناك إمكانات مادية ضخمة للإنتاج مدعومة من وزارة الثقافة الجزائرية). كنا نعمل في ظروف احترافية متكاملة وممتازة. هنالك حيرة في العمل المسرحي هنا في هولندا، ما العمل؟، ومن أين سأبدأ؟.. في قناعتي التي ترسخت الآن إن من يريد خوض غمار العمل المسرحي في هولندا، وباللغة الهولندية تحديدا، لا بد وأن يدخل في تشعبات الجو الفني الهولندي، ومن داخله، وهذا يتطلب أول الأمر إتقان اللغة الهولندية بشكل جيد، رغم قساوة هذا الرأي فنحن أمام تساؤل عن ما جدوى تقديم عمل لجمهور لا يتجاوز ثلاثمائة مشاهد في عرض أو عرضين فقط، هذه ظروف عمل هواة وليس محترفين. العمل المحترف هو العمل الخاضع للإنتاج والتوزيع، بمعنى أن تنتج ولديك قنوات توزع لها كي ينتشر عملك وحتى تستمر وتتواصل. أما أن تقدم عملاً ليشاهده عدد محدود من المتفرجين وقد بذلت عليه جهداً ومبالغ مالية وحجز مسرح، فأنا أعتقد أن هذه قضية لا جدوى منها أو تبقى تدور في حدود الهواية. لكن مع ذلك فقد لجأت مؤخرا إلى إخراج مسرحية (عليكم سلاماً) وقبلها كتبت عملا تراثيا كوميدياً قصيرا مقتبسا عن ألف ليلة وليلة أسمه (حكايات من ألف ليلة وليلات) وترجم هذا العمل إلى اللغة الهولندية وكان في نيتي عبر هذا السبيل العمل مع الهولنديين لنقل شئ من تراثك وروحك ورؤيتك لمشاهد أوروبي، وما زلت أعتقد أن هذا هو الطريق للعمل الاحترافي هنا. أما لماذا اللجوء إلى إخراج المسرحية الأخيرة المعدة عن تشيخوف عن (ضرر التبغ) -عليكم سلاما - هذه المسرحية التي لا يمنع أن تكون بداية مقصودة.
- هناك حديث آخر عن مسرحية (عليكم سلاماً) فهي عمل يندرج ضمن الأعمال الكوميدية خفيفة الظل على المشاهد، وباعتقادي أن محاولتك هذه تجريب في الابتعاد عن الأعمال التي تتناول المآسي وويلات الحروب واغتراب الإنسان عن وطنه، وقد لاحظنا تسخيرك فن الكوميديا على مجمل العمل، رغم أنه توجد هناك في المسرحيات الجادة التي عرضت مواقف كوميدية تسخر من الحرب ومن الدمار. والكوميديا المفرطة فن في تصوري سلاح ذو حدين، إذا لم تكن في سياقها المناسب وغير مقحمة على العمل سوف تنقلب عليه وتفقده توازنه وإقناعه، كيف ترى الموازنة الكوميدية في عملك الأخير والذي عرض غير مرة في هولندا؟
- لو نلاحظ أن الأعمال المسرحية في المنفى حيث تدور معظمها حول ثيمة تذكر الماضي والبكاء وعرض المأساة، ومثل هذه الأعمال من السهولة تقديمها، بقليل من الحديث عن الحرب ومن الموروث العاطفي تستطيع فيه إثارة عواطف وأشجان الجمهور. لكن من الصعب أن تقدم عملا كوميدياً لمتفرج عراقي وهو بحاجة له. وهذا لا يعني أن تنزلق في تقديم الكوميديا نحو منحدر تجاري، عليك أن تتحدث عن قضية فيها هم سياسي واجتماعي وفي نفس الوقت تشعر الناس بأنك لا تقدم لهم خطابا سياسيا متعاليا، بل العكس تقدم لهم شخصية سلبية (ولاحظ أن معظم شخصيات المسرح العراقي تكاد تكون شخصيات إيجابية مناضلة، فمن النادر أن نقدر على تقديم شخصية مثل تلك في عليكم سلاماً، شخصية البروفيسور.. المسكين، ضحية أمرأة متجبرة التي تقابلها في معناها الرمزي (السلطة) فتقديم شخصية سلبية مهترئة منخورة تعبانة تتفاعل وتضحك معها.. أنا أحب تجسيد هكذا شخصيات وأحبها حتى على مستوى الرواية، ولم يتطرق أحد على بحث شخصية رجل الأمن مثلا، هذه الشخصية التي بالإمكان السخرية منها لأنها معزولة، أو تناول شخصية رجل ذي سطوة سياسية كبيرة وهو في الواقع دمية بالإمكان تحليلها وعرضها لسخرية الناس. أنا لا أحبذ تقديم مسرح يخيف الناس من الدكتاتورية، بل أنا أحب أن أقدم شخصيات تضحك الجمهور، أي أجعل من السلطة والقوى المتجبرة المتسلطة في سخرية تقودنا للإضحاك لأنها شئ منخور وآيل للزوال، ولو كنت أعاني صعوبة في المسرحية حيث أحيانا لا تفهم بسهولة ولربما الاتهام بتسطيح الطرح وهذا هو همي الأساس، زائد الهم الفني الذي أحاول فيه وأعيد المحاولة في خلق نوع من أنواع المسرح (مسرح المقهى) حيث بامكامك الحديث مع الناس من دون عائق، وهذا يكاد يكون محدودا في مسرحنا.
- ما تعنيه يوجد له تجارب كثيرة وبشكل خاص في المغرب العربي في تونس والمغرب تحديداً، سبق لي الإطلاع على نتاجاتك المسرحية في أواخر السبعينات وكان فيها بحث جاد واهتمام بحركة الممثل والخطط الإخراجية كما كان هناك انتقاء في اختيار المسرحيات. هنا أراك تنحو نحو محاولة تبسيط العمل؟
- سؤال جميل، لكننا يجب هنا ألاّ نضع المسرح في خانة واحدة، المسرح فيه كوميديا ومسرح مقهى وفيه المسرح التجريبي والبصري وفيه عمل على التكنولوجيا الحديثة، وهناك أشكال عديدة للتناول. لكن واقع الحال هو تأثري بالتجربة المغاربية وتحديدا (محمد فلات) من الجزائر والأمين نهدي من تونس، اللذين يعملان على نفس هذه الثيمة والتي تسمى مسرح المقهى. وهذه هي تجربتي الأولى في مسرح المقهى ومن الصعب أن أقول إنها تجربة مكتملة لأنها تقتضي وجود ممثل شامل وأنا أحاول أن أكون ممثلا شاملا ولو تخونني إمكاناتي وبشكل خاص على مستوى الغناء والإرتجال والحوار مع القاعة وبعض التقنيات التي تحتاج لوقت كي أطوع نفسي لها. ونحن كعراقيين يفترض أن نقبل بالافتراض التالي: إن هناك تعدداً واسعاً في المسرح ولا نقدر وضعه في خانة واحدة، وكما تفضلت لدي تجارب في الجزائر تعتمد بشكل كبير على البصريات وعلى التراجيديا وعلى كادر كبير.
- مسرح المقهى في اعتقادي يقيدك في كادر صغير لا يتعدى الممثلين أو الثلاث، لكن مواصفات المسرح الكبير المتكامل يحتاج إلى كادر كبير لا ينحصر في عدد الممثلين فقط بل متخصصي الديكور والإنارة والمؤثرات الموسيقية، وفي مسرح المقهى تكون الإمكانات محدودة وتستغني عن الكثير من عناصر المسرح المرافقة؟
- بالتأكيد.. لكن ليس كل شخص يفكر ويعمل وفق طريقة واحدة، وبشكل خاص في هذا الوقت الذي تكون فيه أطر تفكير مختلفة، فأنا على سبيل المثال لا أفترض أن هذا هو المسرح الصحيح ولا هو آخر شئ فيه، أنا ما يهمني هو التجرية التي فيها نوع من التحدي، وكما قلت أنت في بداية اللقاء أنني منسي منذ مدة طويلة بعد إن عملت في المسرح الجزائري وليبيا، وكان واحد من أسباب هذا العمل هو إثبات الذات في الأقل في التمثيل وحتى إن الفنان (خليل شوقي) قال لي أنك أحيانا كنت تستعرض نفسك كممثل، وممكن أن يكون هذا الرأي إلى حد ما صحيحا. لكنني أرجع إلى التساؤل عن ماهية المسرح، وهو في النهاية احتفال شعبي، وسوف تقول لي أنك متأثر بالإحتفالية المغاربية وهذا أيضا صحيح، وفي النهاية أقول لماذا نحاول تعقيد المسرح، ما هو المسرح.. انه احتفال.. عناصره الجمهور وممثلون.. مشخصاتية يحكون للجمهور ما تريد.
- لكن أين تضع النص؟
- بيتر بروك يقول أعطني مساحة فارغة وجمهوراً أنا أخلق لك عرضا مسرحيا، فسؤال المسرح يبقى معقداً وسهلاً في نفس الوقت، ويكفي أنني كنت في وسط جمهور أطرح له قضية وربما أرتجل محاورته. وسؤال النص هو قضية أخرى، خذ على سبيل المثال المسرح عند الأغريق كيف كان، كرنفال يسير في الشارع وفيه من يقدم القرابين ومن يرقص ومن يحتفل، بعد ذلك تطور وأدخلت القصة وأصبح هناك عدد من الممثلين. والذي عملته في مسرحيتي الأخيرة كان بوعي ونتيجة أسئلة كانت تدور في ذهني منها إثبات الذات ومحاولة لكسر السائد، وأنا هنا لا أقول بالتجاوز على المسرح العراقي.. وإنما بالتجاوز على لسائد وأن أقدم عملاً كوميدياً فيه متعة.
- الملاحظة التي تثير التساؤل أنه هناك في الفترة الآونة توجه نحو إعداد النصوص المستمدة من القصة والرواية والشعر، ولا بأس من ذلك إذا كانت الغاية هي التجريب.. لكن المشكلة هنا غياب النص المسرحي المتلاحم القوي الذي يجمع كل وحدات المسرح، كما كان يحدث لدينا في الوطن وفي تجارب المسرحيين العرب الأخرى؟
- هذا الشئ الذي تقوله أصبح له شكل تخصصي وهو الدراماتورج، بمعنى أن هناك شخصاً وسيطاً ليس هو مؤلف مسرحي، إنما الدراماتورج يقع بين النص الأدبي وحتى النص المسرحي غير المعد وبين نص العرض، وهو يستطيع أن يكتب بالسينوغرافيا (بلغة الجسد) وليس فقط إعداد النص، والواقع ان الشخصية التي تقدم في المسرح الحديث غير السينوغراف هي هذا الشخص المهم الدراماتورج، لأن امكانات المسرح الحديث هي امكانات بصرية عالية لا تتطلب الكتابة بالكلمة حسب وإنما هناك الكتابة بالصورة والجسد، هذا سبب والسبب الآخر هو إتجاه المسرح الآن نحو الرواية والشعر، ولو كانت النصوص المعدة من الشعر (ليس الشعر المسرحي) هي خالية من الشخوص، من الآدمية وخالية من الفعل الدرامي وبالتالي يصبح العرض استعراضاً إخراجياً ولصوت الممثل أكثر مما هو للدراما. أما الذي يجري ويحدث في بلدنا من فجائعية لا يمكن تصورها، ربما نحتاج لبريخت أخر يكتب لنا نصاً يوازي قوة ما نرى. فأين الكاتب الذي يستطيع أن يعطينا نصاً يوازي ما نحن فيه، ربما في الداخل لم يستطع الأديب الخوض في غمار هذه المأساة، لكن ما عذر الأديب المنفي.. فهل هو العجز أوالخوف وهل هو عدم محاولة الغور والخوف من الاقتراب نحو الشخصية العراقية من الداخل؟..
- منذ عشرين عاما وأكثر كانت لك مساهمة وإطلاع على تجارب المسرح العراقي في المنفى، نحاول هنا تسليط شئ من الضوء على هذه التجارب وأبرزها نجاحاً؟
- لا أدعي أنني مواكب بشكل جيد على معظم التجارب، لكنني شاهدت عملين للفنان جواد الأسدي منها (المجنزرة ماكبث) ورأيت تجارب الفنان حازم كمال الدين في بلجيكا ورأيت عملا واحدا للفنان عوني كرومي في الأردن. وبصراحة نحن لا نريد أن نظلم الكثير من العاملين في مسرح المنفى أو نغمطهم حقهم لأننا لم نتابعهم بشكل مناسب. لكنني أستطيع أن أعطيك تقويماً للأعمال والمخرجين الذين استطعت الاطلاع عليهم مثلا جواد الأسدي الذي يعجبني فيه العمل مع الممثل وهو يستغرق وقتاً طويلاً وصبراً هائلاً وكذلك قدرته على الكتابة فهو معد جيد ولو تفرغ للكتابة لحصلنا على كاتب مسرحي راقٍ، كذلك جواد لا يشتغل على البصريات، وهو غير معني بالعمل الإخراجي الذي فيه صورة وإنما الاشتغال على الممثل وهو ذكي في انتقاء موضوعاته ونشيط ومكثر ومقنع.. أما عوني كرومي فأنا أعتقد أن أعماله الأولى في العراق، ونتيجة لوجود إمكانات مالية ومسرحية.. كانت ذات وزن عال مثل (مسرحية كارليانوس) و (رثاء أور) التي جسد بها مسرح بريخت أفضل تجسيد، لكنه هنا في أوروبا أصبح عنده اقتصاد في الأدوات الفنية (وهذه الإشكالية حيث يعمل بامكانات كبيرة) ومن ثم ينتقل نحو محدودية في الإمكانات المادية والتوزيع وفي ظروف مضغوطة، والاستمرار بهكذا ظروف صعبة جداً. لكن عوني يبقى من أثقف الفنانين العراقيين مسرحياً ويكاد يكون من أكثر المنظرين في المسرح العراقي.
أما الفنان حازم كمال الدين أراه دؤوباً جدا، ومثلا عمله الأخير (رأس المملوك جابر) الذي حاول التفكير فيه بطريقة أخرى في أن يقدم 17 شخصية بأربعة ممثلين، وقد حول الممثلين كلهم إلى حكواتية، أن يشتغل على سينوغرافيا تقترب للخيمة العربية (أشبه بخيمة القذافي مثلاً) في هذه الخيمة ثلاث مستويات من الظل، وأعتقد أنه نتيجة النقد المستمر لأعماله والملاحظة المتكررة على أعماله التي يشتغل فيها على المشاهد الأوربي، استطاع في هذا العمل أن يستثمر الموروثات مثل مسرح الحلقة ومسرح الحكواتي والقوال واستطاع أن يقدم عملا جميلا، لكن ما يثيرني أنه أحيانا يعمل على الجسد من دون معنى أو موجبات ولا علاقة مع الحوار ويعاب عليه إهتمامه الزائد واللا مبرر بالعري مما يخلق حالة من تشتيت الصورة. لكنه بالمقابل يبقى فناناً دؤوبا وإستطاع أن يفتح نافذة في المسرح الأوروبي. وهناك لدينا تجارب جيدة في مسرح المنفى كتجربة الفنانة روناك شوقي في لندن ورياض أحمد في السويد ومناضل داود في استوكهولم وفي بلدان عديدة هناك دائما أسماء مجاهدة ومنسية.