أحمد الأمير
نقطة في خارطــــة الزمان
((في الذكرى السابعة لرحيله 23/8/1952-23/5/1994)
إعداد: محمد الأمير
أحمد الأمير.. المولود في العراق في 23 آب 1952، الرسام المبدع الذي أسس مع مجموعة من فناني العراق (كالري 75) في البصرة، كان يزرع بين سواقي الألوان والخطوط شتلات من الشعر.. فينمو النسغ جديداً متوائماً في التشكيل رغم اشتماله على تكنيك متفرد ووسائل تنفيذ لم تُطرق بعد، مستخدما خامات مسوّرة، إضافة إلى الوسائل المعروفة في الرسم والتخطيط، فكان البعد والملمس وليديْ لحظة خلق آسر بكل ما تنطوي عليه جماليات الخلق الفني. وفي سن مبكرة جداً، بعد أن قام معرضاً شخصياً في سن 12 سنة في الناصرية 1964، اختار طريق (الرسمكلام) التي سماها هو، فكان الرسم طوع فرشاته، والكلام يهاب العقوق. أما في العشرينيات من عمره القصير لغاية 1976 التي سافر فيها في أول الهجرتين، إلى باريس، فحيث كانت هجرته الثانية إلى المانيا بعد ثلاث سنوات- ترك مجموعة شعرية متفرقة لا يمتلك قارؤها إلا أن يندغم في لذةِ وفقه تقنياتها البنائية في المعنى والمبنى.
ِ لقد كتب آخرون عنه في الرسم، وحصوله على الماجستير الفخرية، الأولى من نوعها في ميونيخ عام 1982 في الرسم المسرحي واعتباره واحداً من أفضل عشرة رسامين للمسرح الأوربي، ومساهماته المكتظة بالحضور في المعارض داخل بلده وخارجه، وأخيراً هذه الأكاليل المورقة التي رسمتها أقلام محبيه، تعفيني من تذكره كرسام.. ولعلي أجد لزاماً عليّ في هذه المناسبة (ولامتلاكي مجموعة كبيرة من الأوراق التي تسجل بواكير وإرهاصات تصدّيه للشعر) أن أكتب عنه شاعراً ما وسعتني بضاعتي الضئيلة.
استهوتني وأنا شاب صغير، وكنت لصيقاً له في صومعته التي اختارها في غرفة من الطابق العلوي لبيتنا، جعل منها مرسماً ومعبداً، أوراق وقصاصات كان يهمل فيها دموع الشعر بكل صدق، مواضيع وأفكار وصور ومحاكاة واقع ومعالجات إنسانية وروحية.. يسكبها على أوراق سرعان ما يتركها في مكانها ليذهب لمعانقة الفرشاة المضمخة بالـ (نفط) التي تنتظره كي يواقعها بشبق المريدين.
عرفتْ كتاباته الشعرية تشكيلاتٍ عروضية مبتكرة إتضح لي فيما بعد انها منبثقة عن وحدة إيقاعية أساسية لقصيد جديد. كان يشيّد على هيكل القصيدة الهندسي بناءً موسيقياً مرهفاً.. ثم بانتقالة جريئة تنهمر الفكرة (في وسط البناء) بمقاطع من النثر.. بل هو الشعر بعينه. لم نكن نعلم وقتها بذيوع قصيدة النثر، إن من يتقص المألوف والمحروف من نتاج الشعر العراقي، على غزارته وتألقه، قبل منتصف العقد الثامن من القرن المنصرم، يجد أن قصيدة النثر كانت محسورة الرداء تماماً، وتظهر للقارئ بأستحياء شديد خشية العرف الأدبي التقليدي السائد. لذا لا أدري هل أقدر أن أعتبر (أحمد أمير) واحداً ممن استباحوا حدود الممكن في كتابة الشعر أو ممن تسلقوا أسوار الجرأة، واقتحموا قصيدة النثر الحديثة بكل معطياتها البنائية والمعنوية؟!.. لا شك أن (أحمد أمير) يقف صفاً إلى صف مع أسلافه ومجايليه من الرواد الذين تمكنوا من صنعة الكتابة الشعرية (التقليدية والحديثة) الذين لم يصلوا إلى ما وصلوا اليه إلا عبر مران وتراكم خصب للتجارب الإبداعية.
إلى أي مدى تنطبق مفردات (المادة الخفية) ، (الجوهر الفكري) و (اللحظة الشعرية) على كتابات "أحمد الأمير" غبّ صناعته لكل قصيدة (تتخرج) من مداد قلمه؟!.. لقد قدم لتاريخ الشعر إلتماعات أبت إلا أن تكون مُبهرة وأثيرة، وعلى حد سواء في قصيدة النثر أو القصيدة التقليدية بشكلها الحداثوي.. كانت قصائد حبلى بهذين التوأمين الحميمين حقاً.
يقول الناقد الراحل (د. محسن إطيمش) في كتاب (تحولات الشجرة) الذي لم يطبع بعد:
((لقد كان لتطور قصيدة النثر، وطرحها نماذج مرموقة عبر نتاج يوسف الخال ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وأدونيس وغيرهم، أثر واضح في بروز قصيدة النثر في الشعر العراقي المعاصر الحديث، وفي لفت أنظار الشبّان إلى هذه الظاهرة التي أخذت تتسرب إلى العديد من كتاباتهم، وبتبنيهم هذا النمط من الكتابة الشعرية صار الإيمان بهدم الحاجز أو ردم الهوة، بين الشعر والنثر راسخاً، وصارت كتابة القصيدة التي تعتمد بنية (الإختلاط) عملاً مشروعاً وليس بغريب ولا مستهجن.)).
دخل (أحمد أمير) بستان الشعر من خلال هذه البوابة التي رسم إطارها العام الناقد (إطيمش) واستدل "أمير" على مصاريعها بنفسه فكان دخوله ميموناً ومأموناً. لذا كتب قصائد (مرموقة) يمكن للمتذوق القارئ أن يقف عندها طويلاً ليشعر أخيراً أنها منه، تنطق بمكنوناته هو.. حبل المواساة الإنسانية والمحاكاة قوي ومتين ويبعث على الإعتصام.
في هذه المقاطع من قصيدة (سورة النصاحة) المنشورة في ديوانه الأول (قاموس الشرر) ((وفيها استعارات من رسالة (لا يعول عليه) لمحي الدين بن عربي وصحبة كاذبة معه- أمير)):
مقطع 3: وجدت قائمة بأسبابي في نقاط التفتيش وكانت جميلة
وقال لي محي الدين: (الحزن إذا لم يصحب الإنسان لا تعول عليه)
وحاصرنا رجل فخدعته بكلمات منتقاة من سجلات الإفادات الإجبارية الكاذبة
وأنا نادم على فعلتي حتى الأبد.. فقد كان هذا الرجل نفسي.
مقطع 6: تحلّين على جنح غراب أبيض في الليل
تمتصّين وجهي
والمدينة كلها تغفو ببيت واحد
والجند يحتلون غرفتنا
يقول البرد أن لنا
سماء حلوة بيضاء
من خرز ومن بلّور
صادر لونها الخوف
(الحزن إذا لم يصحب الإنسان لا تعول عليه)
والمدينة تغفو
مقطع 8: الأنابيب في جسدي خويت
وأنا جمرة في لسانك مزروعة
فاحتشم أن تقول المصيبة
في ملء فيه شرطة الأمن
مَنْ يعشق (الأمن)
صافية مثل ماء الجبين المحبة ما بيننا
فاحتشم وأقرأ الآن وجه الجريدة مرتكناً خوفك المنطقي
ماسحاً لون وجهك فيها
(هل تتذكر مرة رأيتُ النمل يسيل كالماء على يديك وأنفك وسروالك وكنت تستحي أن تبكي؟)
* * *
وفي حوار طويل مع الفنان نشر في مجلة (الأفق) الصادرة في قبرص عام 1986 نقتطف الجزء التالي:
(أحمد أمير) الفنان العراقي المقيم في برلين الغربية، ما زال يعمل كرسام أول في (مسرح شيلر) الذي يعتبر من أهم مسارح برلين الغربية، وقد أختير مؤخراً كواحد من أفضل عشرة رسامين للمسرح الأوربي. ذهبت (الأفق) إلى بيته ومرسمه وطالعت الأجواء التي يعمل فيها هذا الفنان الصامت الذي يبدع بهدوء بعيداً عن الضجيج والصخب. يقول (أحمد أمير) عن رسوماته: (من لا يتبيّن الإنسان المغتاظ في هذه الرسوم، فثمة شك كبير في غبطته ونقمته وشهادة كبيرة على استسلامه لفرح كاذب..).
أما الشاعر حسين عبد اللطيف- الذي كتب ملحمته الشهيرة (أمير من أور) في رثاء صديقه الراحل عام 1994 والتي اختتمها بعبارة أختزلت خيمة الشعر "يا رياح برلين.. كوني رقيقة!" نقتطف هذه المقاطع من قصيدته (دوارة الرياح - إلى أحمد أمير) من ديوانه (نار القطرب) الصادر أواخر عام 1994:
من هوانا..
يا رياح السنين
ما الذي جئتنا تحملين
العقيق الكريم،
الزمرّد والترمالين؟
أم غصوناً من الآس والياسمين
يا رياح السنين
ما لكِ.. ما لكِ
كلما تُقبلين
نحونا
متأخرة .. دائما .. تُقبلين
تلك باريسُ!
- باريسُ لا!
أين باريس، فينيسيا
نحن لا نارُنا، ها هنا، أو قرانا
- انها الناصريةُ
- كم أنا واهمٌ
الندى والعصافيرُ
قد بَلْبَلاني
وأتلف حالي الضعيف السفر
أترى نلتقي!!
أم تلوذ يدي
حتى حيرتها..
تبحث الآن عن يدك النائية
وكتب الفنان حيدر الهلالي ومضة شجن على فقدان صديقه، وحلّت في كتاب (أمير AMIR) الذي أصدره حيدر في باريس عام 1995 بالعربية والفرنسية:
(كيف تسنى لك ذلك؟ قررت الرحيل دون أن نتفق؟ خلال 25 عاماً كنا نتفق في كل شئ، أو نختلف قليلاً، ثم نتواطأ.. بفخر كنا نتذكر دائما أول عمل مشترك لنا في سن السادسة عشرة حينما قمنا بنقل وتكبير لوحة الرسام هالس فرانس "البوهيمية" بالألوان الزيتية على قطعة كبيرة من خشب (الفايبر) وقد انتهى بها الأمر لأن تستعمل في (تقوية) سرير الأهل.
بمرارة كنا نتذكر فقداننا كل أثر لأربع وعشرين لوحة من لوحاتنا في أول معرض مشترك لنا عام 1974 في بغداد، سرقها (منظموه). بشاعرية صادقة خططنا لـ (إقتحام) أوروبا معاً.. (وأنتظرتك لتنتهي مما أنت فيه) عام 1975. بدأنا نقاوم حالما وطأت أقدامنا معاً أرض أوربا عام 1976 للبقاء وقوفاً. أولى بوادر هذه المقاومة: معرضنا المشترك للملصق السياسي في مدينة بواتييه عام 1977، تلته معارض مشتركة في برلين، بواتييه، تور ولندن بمشاركة الصديق الفنان علي فنجان والمعرض الأخير كان من المفترض أن يشارك فيه الصديق الفنان كاظم الخليفة.
(بمثالية) مشروعة قررنا بأشهر قليلة قبل رحيلك (الاحتجاج) من طرف واحد على سياسة الكاليريات وتجار الفن برمي أدوات الرسم في نهر السين أمام الجمهور وإعلان اعتكافنا عن الرسم. واختلفنا حين أخترتك أنت للبدء برمي أدواتك، عندها قلت: أيها اللعين، حين أنتهي من رمي أدواتي ستمتنع أنت عن ذلك، بل وستعمل على استرجاع أدواتي والأستحواذ عليها... هكذا انتهى احتجاجنا واستمرّينا..
كيف تسنى لك فعل ذلك؟.. ففي صبيحة يوم رحيلك كنت تحدثني (هاتفياً) عن مشروعنا المقبل... و...
أكاد أقول كيف تجرأت بهذه (القسوة) أن تتركني وحدي، لن أغفر لك هذه الغفوة.)
وكتب الشاعر خالد المعالي في مقال منشور في جريدة (القدس العربي) في 1994:
((أمضى أحمد أمير حياته فناناً نبغ مبكراً، ومراحل تطوره الفني بسرعة، ولا يسعني هنا التحدث إلا متذوقاً. فقد بهرتني رسوماته التي كان يملك مقدرة خلقها ببساطة ودقة، وكان يمتلك بديهية وبصيرته حادة وله رهافة قلّ ممتلكوها، وخصوصاً عندما يمزج بين "الرسم والكلام" لكأنه يقف بينهما تاركاً هذا الأمر يعطي تأثيره في المعنى والمبنى. لقد صمم أغلفة كتب كثيرة، لم تأخذ حقها بسبب تخلف الطباعة عندنا ولأنعدام الامكانات. فقد صمم أغلفة كتب لأدونيس وعبد الرحمن منيف وغائب طعمة فرمان وكاظم جهاد وعقيل علي وكريم الأسدي.
نشر (أحمد أمير) عشرات التخطيطات في المجلات الأدبية والفنية، وفي بعض الكتب التي صمّم أغلفتها، وشهدت حياته المبكرة كثافة في الكتابة الشعرية، ونشر بعض قصائده، ورغم أنه لم ينقطع عن الكتابة الشعرية، إلا أنه أنقطع عن النشر)).
وكتب الشاعر سعدي يوسف كلمات في مجلة (المدى) عام 1994:
مَن يتذكر فرجينيا وولف؟
يا لهذه الحياة..
أحمد أمير (تخطيطاته حلّ واحد منها في العدد السابع).. يجيئني بقبعته الخفيفة، بإيماءاته التي هي أفكار، بألوانه وملصقاته التي ملأت شوارع برلين، وديكوراته التي منحت معنى لمسرح جامعة برلين الحرة..
((في مقبرة شرق برلين، يرقد طفل من النخل))..
- سيأذن لي حسب الشيخ جعفر
ماذا بمقدوري أن أقول لأخيه حيدر، لأخته رملة..؟
ماذا أقول لأحمد أمير نفسه؟
((يمت شاباً من تغرزه الآلهة..))
كيف إذاً سينام أحمد أمير؟
كيف يرخي قبعته الخفيفة على جفنيه
ومن إنطباعات صلاح ستيتيه عن صديقه الراحل، والتي حلّت في كتاب (أمير AMIR) وترجمها إلى العربية الشاعر كاظم جهاد:
(هذا الرسام (أمير) عبثاً أفتقر إلى كل شئ، وصار غريباً يشار أليه بالبنان، لاجئاً ثقافياً في بلد بعيد إلى حد ما، وعاش مقتلعاً من جذوره الحية. أن (أمير) الذي أحرق حياته من شتى أطرافها، كأمير، كما يدل عليه أسمه، هو أمير لا فحسب لأنه يقول لا للرغد والمال إذا كانا ثمن الخزي، بل هو أمير لأنه يعطي القليل الذي يملك، كلما طلب منه ذلك.
وما يملكه، مادياً، هو هذا القليل الذي عنه أتكلم، لكن، في العمق المعتم الذي كان، كرسام وكشاعر، مسكوناً به، هو ثريّ بألف رؤية ورؤية، لأنه "وكان يفخر بذلك" آتٍ من منطقة من العالم وُلدت فيها (ألف ليلة وليلة). إن الفنان عموماً، وصديقنا أمير، في الوقت نفسه الذي يقبل فيه بحضور الموت في لوحاته ورسومه الأكثر حدة، أقصد الأفضل والأروع، يستعيران لمخادعة الموت، صوت الموت نفسه، يخدعانه باستخدام الحيل نفسها التي يَهبهم إيّاها.
يمسك إرادة التحرر الداخلي لديه ويلمّ أشتات تناقضاته صوب محور شكلي يصنع من لوحته ما يجب أن تكون في خاتمة المطاف: لوحة. ذلك أن أميراً هو، بكل وثبات حساسيته، وببنية مخيلته بالذات، خالق بارع وحقيقي للصور: رسّام. فإذا ما نطق البعض بالعكس وتشككوا بمصداقية ما أقول، فأنا أنصحهم بـ (قراءة) رسوم أمير التي تعبّر بأفضل مما أستطيع بكلماتي، عن القوة والتشخيص اللذين يتمتع بهما عطاء تشكيلي هو من أكثر عطاءات جيله في العالم العربي نضجاً.
وكتب الشاعر فوزي كريم في مجلة (اللحظة الشعرية):
أحمد أمير (1952-1994)
ترك الكأسَ على مائدةِ الليلِ وغابْ
شاعرٌ من أصدقائي
خلَّفَ السرَّ الذي يحملُهُ طيَّ ردائي
وتوارى،
مثلما تخبو المصابيحُ نهارا
لم يكن يجهلُ ما الموتُ، ولكنْ
فتحَ الموتُ ذراعيهِ إليهِ، فأجابْ.
ومن مقدمة الشاعر كاظم جهاد بعنوان(بحث شعري مفاجئ) كتبها لديوان شعر أحمد أمير (قاموس الشرر) الذي أصدره كاظم جهاد في بلجيكا 1995 يقول:
(قد لا يكون بعض القراء العرب على معرفة بالتجربة الخلاقة لأحمد أمير، إلا أنه يشكل للعراقيين، منذ بدء السبعينات، في الوطن أولاً، وفي الشتات لاحقاً، واحدة من أكثف مصادر الضوء في مسيرتهم الإبداعية. ومن عرفه عن قرب يشهد على أن مفهوم الخلق كان يتجاوز عنده الأثر الفني ليجعل من المعيش نفسه، ومن الحياة في اندفاعاتها اليومية، أثراً آخر، أشمل. أثر يمتثل (للقوانين) نفسها التي تصدر عنها اللوحة أو القصيدة: أناقة رغم كل شئ وفي كل ظرف، وكثافة، وسطوع جارح كحد البلّور. هكذا أخترق أمير حياته دفعة واحدة، بلا تلكّؤ، وبمهابة، كمثل ومضة قد تحجها في هذه الهنيهة أو تلك جهامة غيم كثيف متراكم، ولكنها سرعان ما تعاود، بالبريق نفسه، مسارها التصاعدي ذاته.
والموت، كما تبين عنه موضوعات عديدة من هذا الديوان (قاموس الشرر) متغمَّد منذ البداية كهاجس صميم، ثمرة تدارى بغيره، وعطيه مُتَقَبَّلة دون استخذاء قط. من هذا الجدل بين حياة معتنقة بقوة، وحوار مع الموت مُتابَع بعناية صنع أحمد أمير تركيبته الخاصة التي أدهشت الجميع في سيرته مثلما في أثره في الرسم خصوصاً.
القصيدة الأخيرة لأحمد (صبر الشجرة) التي قرأها عليّ كما على أصدقاء عديدين في مدن عديدة، بالهاتف، قبل رحيله بأسبوع واحد، يمكن أن تشكل كناية عن الحبيبة معشوقة ومجحوداً بها، عن الأرض أو الوطن، مثلما عن الصنيع الفني. فهل أبالغ إذا رأيت فيها صورة عن عطاء أحمد نفسه، عمله في الفن وفي الحياة، وحياة كانت معيشة كفن؟ عمل صار يشكل للعراقيين شجرة، شجرة وارفة الظلال يتغمدها الموت الواسع، ولكنها تظل، كما كانت منذ البدء معين وجود واسع. في ظل هذه الشجرة يتفيّأ السابلة والأحباب، يحاول بعضهم الإستئثار بها ويتقاسم آخرون عطاياها والآخرين. أما هي فتشرئب سعيدة ونافذة: تعرف أنها امتزجت بمشهد الأرض، الآسر، نفسه بالذات
هامش مهم:
لم نتطرق هنا إلى (مرثية الألوان الساطعة) النص الشعري الذي كتبه الشاعر (محسن الخفاجي) في رثاء أحمد أمير، كذلك مقالته التي تتناول أثر أحمد أمير الفني التي كتبها وأرسلها للمعد في الذكرى الخامسة لرحيل الفنان، كما لم يتم التطرق إلى قصيدة الشاعر (عادل عبد الله) وعنوانها (مداخل لصحن الشهيد أحمد الأمير، وكذلك (مرثية أحمد أمير) التي كتبها الشاعر كاظم جهاد في القطار من باريس إلى برلين في 23/5/1994 لمواراة صديقه أحمد الأمير.
وسوف ننشر في العدد القادم قصيدة الشاعر عقيل علي (ثنيّة ما ستعلم - الحب محروس، والتراب نهاية المطاف - إلى أحمد أمير وهو يعلو) التي كتبها في 25/5/1994 ولم تنشر للآن.
هذيان الأرض عند جدار الغربة
رملة الجاسم
أتساءلُ...
أستبقيني يا ستر الليل
تحت ثناياك وسادة دفءٍ
في عتمة دارك تلك
وأنا الغجرية
قد غصبوني.. بعتُ.. وصية أمي
وقصائد مسروقة من ديوان أبي
وتيممت برمل محطات قطارات الأرض
والسكك التي ما سارت فيها قدم قبلي
أستبقيني؟؟
جارية في قصر زمانك
يتعشقني الأمراء
وأنا صوب عبيدك ترنو عيني
تتلصص من تحت شبابيكك والأبواب
ترسم جوعا
وهوى ضاع
اغتالوه .. بطول غياب
وحريمك أجساد تمشي عارية
من دون حياء .. من دون كساء
لا حباً للعريّ بها
ولا ترفا
لكن الثوب لمن أدمى ظهره سوط الجلادين
يا ليل الغربة .. يا موال المحرومين
أغثني
متعبة ... أفرش لي روضاً
وافتح بوابة سمسم
لعل القمرَ الحارسَ يعرفني
ها أنذا أصرخ
يا ماردَ هذا المصباح
موحشةٌ كانت تلك الدرب إليك
أتذكرني
أنا من كان يطرزُ دورزيّ السلطان
عباءةَ جدي
واليوم أروف سراويل نساءِ الفراشين
وأحاور أسراب الحمقى
والدجالين
كي لا يفقه طفل أسرار براءته
آه
يا معطف فرو أبيض.. فوق المنخفضات
أحتضن الثلج وأدفن فيك
لا حبا في البرد ... ولكن
بعد شتائك دوما .. يأتيني ربيع......