|
قصة قصيرة.. 13 علامة للساعة. - قصة عبد الهادي السعدون
|
|
1ـ
متُ اليوم صباحاً.
2
الوحيد الذي أخشى أن أنبئه بخبر موتي، هو أنا نفسي. سددت أذني بالقطن، وأشرت بأصابعي لأمي أخبرها بأنني أعلم بذلك، وقلت لها: هذا الصباح، الآن.
3
الآن تماماً مت. صباح ما، أخبرتني النبأ.
طرقت أمي الباب ومن ثم دفعته برقة وهي تحمل صينية الإفطار، تضم فيها رأيت خبزاً أسمر من الذي أستلذ بمضغه، وكوب شاي ساخن بلا حليب لأنها تعرف انني أمقت انكشافه.. تقدمت أمي وهي تحمل صينية الإفطار. تتقدم بخطوات ثقيلة، حزينة (اعتادت أمي أن تجلب الإفطار بعد أن هجرتني امرأتي تلميحاً لشئ لم تفهمه تماماً.) وضعتها على الطاولة القريبة من رأسي، ثم اتجهت لفتح ستارة النافذة الداكنة اللون وهي تكلمني:
هذا الصباح، الآن.
4
صباحاً بالطبع، توافدوا جميعهم، أولئك الذين تعرفونهم (افترض انني حكيت لكم عنهم) جميعهم تقريباً، كل الذين لهم علاقة بجثتي قبل هذا الصباح، أو الذين لا علاقة لهم.. قبل أن تحمل أمي صينية الإفطار إلى سريري، وتكشف عن ظل عميق افترش السرير بدلاً عني.. ظل متأرجح، يتمايل مع ضوء الشمس المتسلل من النافذة.
قبل لحظات، هي الآن حتماً، وقبل أن تكلمني أمي قائلة:
الآن... هذا الصباح.
5
رأيتهم يتوافدون، أغلبهم تعرفونهم عندما حكيت لكم عنهم، بعض ممن لا أعرفه كان يبكي. واقتربت من جثتي امرأة صبية لم تكن تشبه زوجتي ولكنها هي ذاتها.. وقفت أمام الجثة ونظرت بتركيز إلى وجهي ثم انحنت حتى صدري وسمعت بأذنيها دقات قلبي (هل قلت دقات قلبي المتسللة من الحياة كضوء الشمس صباح أمي الداخلة إلى الغرفة)، لا أعلم، ولكنها ارتفعت بجذعها وتركت الآخرين دون كلمة.
راقبتهم يتحاورون، وأمي تدور عليهم بصينية الشاي، خطواتها متعبة.. لم تكن ترتدي ثوباً أسود كما اعتدتها، بينما ارتدى الآخرون ملابس الحداد.. وفي كل لحظة يقترب أحدهم من جسدي ويمسد شعر رأسي أو يربت فوق صدري، تماماً في المنتصف.. إنتبهت إلى أنهم انتظموا بشكل دائري جلوس في مقاعد استأجرتها أمي من إحدى المحلات المجاورة لدارنا، صمتوا ونهضوا باحترام لرجل لم أتبين ملامحه، ولكني اكتشفت هيئته الضعيفة وهو يداريها بمعطف عريض، ويحمل في يده دفتراً صغيراً بجلدة سوداء، وجلس بهدوء في وسط الحلقة.
إعتقدت انني سأسمعه يرتل بصوت جنائزي، لكن ذلك لم يكن.. بعد حين انتصب مرة أخرى وفتح دفتره.. قال موجهاً كلامه لهم: يا سادة يا... صباح هو اليوم، مثل الآن تماماً.
6
"ثم اعتقد انه لن يخرج من هذا الشارع حتى الختام" أضاف..
حتى انه تذكّر في لحظة الخوف ذاتها ما أخبرته به أمه (وقتٌ ليس الآن، وهي تخدم في توزيع أكواب الشاي) وإنما في لحظة ولادته، عندما أخبرتها جدتي مولدة نساء الشارع كلهن، انها ترى في جبهتي "خوفاً من الغرق" وهو ما جعل أمي تمنعني من الإغتسال وحدي. كبرتُ وكانت تطلب مني أن أترك باب الحمام مفتوحاً.. وعندما قلت لها قبل أن أغادر الشارع للمرة الأخيرة: ولكن يا أمي أي نوع من الغرق هذا الذي أخبرتكِ به جدتي... ألا ترين ان الغرق أصناف؟.
قلت لها، ولم تقل شيئاً حتى وهي تكلمني عن "هذا الصباح بالذات" ولم يخطر ببالي وأنا في لحظة الخوف التي تحدث عنها يا سادة يا... أن أعاود التساؤل عن الغرق الذي تكلمت به الجدة، ولا مداه الذي حملني إلى الصراخ بفم مليء بهواء يصطفق فيتراكم ويخرج باتجاههم بهيأة عويل:
"سأخبر أهل الشارع، أولاد الكلب، لماذا قتلتموه؟."
بوزن الهواء المضطرب اقتربوا.. كان أكبرهم يحمل جرح سكين في خده الأيمن، نام فوق صدري إثنان منهم، بينما ربط كبيرهم يديّ وقدميّ...
- نحمله حتى الخرابة؟ قال أحد الاثنين.
حرك الأكبر أصابعه علامة رفض وقال لهما مبتسماً:
- كلا.... هنا في وسط الساحة، لنرى ابن القحبة إن كان قادراً أن يخبر أحداً بما عملناه.
"ولم يمهلوه حتى يصرخ أو يضرب بجسده الأرض" قال يا سادة يا..
7
ظننت ان الجرح يكبر حتى يبدو علامة كجرح السكين فوق خد أكبرهم.. ولكنني تعلمت أن أكسر الحد الموجع، وتعلمت أن أعوم منذ تلك اللحظة أو بعدها بسنين، ولم أصدق نبوءة الغرق.. قلت لأغرق ما دام قد أخرسني جرحي ثلاثة عشر عاماً. كان الثلاثة يراقبوني في كل الأوقات، في وسط السوق، البيت، بين الناس، قرب الشارع الوحيد الذي ظننت انني لن أغادره حتى الختام، ويضحكون بأصوات متعالية، وهم يضمون بناصرهم بسباباتهم ويشكلون تدويرة تشبه الخمسة ويتمايلون بهمسٍ فاضح..
"ظن يا قلبي ان جرحه لا يطاق" يختبئ أغلب الليالي تحت غطاء فراشه وينتحب.. أجلس جواره وأخبره انك رجلُ حياتي بعد وفاة أبيك، لا تجعلني أحزن عليك أنت الآخر.. أعلمُ حزنك، وعمق جرحك يا ولدي منذ أن قتل صاحبك معلم العود، وسمعتك في منامك تشير لهم وتقول: قتلة.. أعلم ذلك كله، مثلما يعلمه الجيران، وحتى البعيدون عن شارعنا.. تقول انك لم تستطع حمايته، ولكن ماذا بيدك أنت الضعيف أمام قسوتهم. لا يا ولدي لا تجعلني عمياء لفراقك، لا تحاول شيئاً ضدهم، هم أقوى، أتريد أن تطفئ الدموع عيني مثلما كان مع العوراء عمة معلم العود.. ها ولدي.. الآن، هذا الصباح، أجل."..
8
تقفلْ الأبواب ليس كما تفتحها قبل "الآن، هذا الصباح".. ثم تترك البيت، تغادرنا متحججة برغبة لزيارة طويلة والنوم لثلاث ليال بعيداً عن البيت.. تتركنا محاطين ببخور منقلة الجمر وشرابات الرمان المطحون، وعسل عيدان السعد التي تحملها من براري الله الغارقة بالسكون والخضرة.. تقول. توصي بها مَن يمضي أو يعود. وتضيف": يا ولدي، هي العين.." وأكافئ امرأتي بالخيبة، سنتان مضتا، ولا شئ سوى الهواء الفاسد، أم هو الغرق يا جدتي. أنهزم في إضاءة النور الأحمر أو إنطفائه، حتى صارت امرأتي تجسد خوفي اليومي من الفراش.. ما عادت تخدع الليل بعري جسدها. وصرتُ أتحسس خشخشة ثيابها فوق شراشف بلا صرير أو سخونة.
أقول النهار متى يأتي..
.. وتنتظر أمي وجهة الصبح لتبخرنا طرداً للعين الخبيثة. وستنتظر طويلاً، حتى تكتشف الفراغ بعد سنتين وثلاثة عشر يوماً، فأحدثها عن الغرق الذي أخبرتني به نقلاً عن جدتي، بينما تمسد شعر رأسي وتقول "يا ولدي." ثم تدفع باب الغرفة، تحمل صينية الإفطار، لأنها كما تكرر "حتماً هذا الصباح، الآن" قد اكتشفت فراغاً هائلاً في السرير.. ولم أستتر فبرز جرحي فاتحاً فمه.
9
تركت بوابة البيت مشرعة للسواد، السواد الذي ينسكب برقة قدومه.. وتقول:
"ما عدت أخبرك عن الغرق." أقبلها وأحكي لها "أنت الوحيدة التي تستحق قبلة."
عند شوارع لا تنتمي لشوارع أخرى، تناهب ذِكري آخرون... فأطلقوا كلابهم،
تحيات داعرة... ثم غرقوا في ضحكهم.
صباحاً حتى الليل انشغلوا بدهن جدران كاملة بعدد سنين إختفائه. رسمت فوقها أشكال مربعة ومستطيلة وبلا تعريف للعود، وأحطتها بدوائر كبيرة، ثم صغيرة وأصغر. ولم أرسم ضحكة بعد، بل كتبت "هو الغرق."
10
رغم أن أمي لم تتكلم منذ ثلاثة عشر صباحاً، وحين مرت أمام غرفتي، دفعت الباب الخشبي وتقدمت تحمل طعام الإفطار "ليس حتماً آنذاك، هو الآن، صباحٌ..، وتخبرني بعد شروع الصبح من نافذة الشباك التي لا تحجبها ستارة. تقول هذا الذي يقال:
ثلاثتهم في وسط الساحة، قيدت أيديهم وأرجلهم، قُطعت ذكورهم وحشرت في فتحاتهم. لم يصدق الناس هيئتهم، ولم يفرقوا بينهم حتى رأوا جرح سكين قاطع ارتسم فوق وجوههم شقاً غائراً، تبين كبيرهم بعلامتين فارقتين، واحدة منذ زمن الأعوام الثلاثة عشر، وآخرها هذا الصباح، ليس الآن حتماً، ولكنها اللحظة.
11
......................................................................
......................................................................
ترك لنفسه البوابة مشرعة، وانساب كسواده، الليل.. ثم رسم دائرة كبيرة، ثم كتب هو الغرق. ولفظ ما يزمجر كهواء منحبس. ضغطة واحدة تكفي، الآن...
12
الوحيد الذي أخبره بذلك، هو أنا نفسي. هل هناك ما يخُشى منه؟
أشير لها بأصابعي، أقول: أعلم، هذا الصباح، الآن.
13
صباح اليوم، مَنْ تكلم عن الموت؟
مدريد 1997
|
|
إنكسار الكتابة وانتحار الكاتب |
جمال علوش
دوران الحروف، زلزال الكلمات، والذات الفعل الفاعل لا المنفعل، وإلاّ فالانتحار أرحم بكثير من أن تقول أنك تكتب، عبر الذات المتحررة داخل مطلقها الأفقي والداعية إلى التحرر الواقعي، لا أيديولوجيا فحسب، بل فلسفياً كذلك حتى تعترف لك الكتابة بأحقية الفعل الإبداعي.. ويبدأ ذلك أولاً، بقتل الذات على مستوى الرغبات الدافعة لعملية الكتابة.. وثانياً بتجاوز الأنا الطاغية حتى لا تصبح أنت الكاتب أسطورة فوق وعي الكتابة نفسها، وإلاّ تمد الكتاب برغبات الانزلاق والإسقاط.
وقد تتجاوز الكتابة لغة الفنتازيا < وهناك الحديث داخل الكتابة/ الخيال > ومن هذا المنطلق يجب الانتباه إلى خلق الفرق بين فنتازيا العقل وفنتازيا النرجسية المتجاوزة، عند اعتبار الذات المنطلق، والفكر هو المنطق القادر على الخلق والإبداع لا الواقع وحده، وهذا ما يخلق للكاتب الكثير من الأزمات إن لم أقل حتى بعض الإحباطات، عند غياب الرؤى الواضحة، التي لا يمكن أن تلمس مادياً إلاّ على المستوى المستقبلي في إطار تجربة الكاتب خلال كتاباته، فيتلاشى كل شيء، وتبقى الكتابة المعتمدة على التلاعب بإمكانات الذات والذاكرة معاً عن طريق عزلهما عن تجربة الواقع، وكذلك عن طريق تفكيك إمكانيتهما المادية لعدم التجاوب مع واقعية الأشياء، وخلقها عبر مختبرات واقعية الحياة تاريخياً واجتماعياً.. وبالأخص عند البحث في المستويات الوجودية والإنسانية، فارغة من الفعل المادي للكتابة من خلال قيمة العملية الإبداعية، كإنجاز إنساني له دور حضاري/ وجودي.
ولا أتحدث عن فنتازيا الواقع، والتي تعتمد بالأساس شروطها عبر ازدواجية الجدل المادي للأشياء والشخوص.. سواء كان ذلك عن طريق ثنائية الفرد/ الذات أو الفرد/ الجماعة من دون تغييب ازدواجية الزمان/ المكان مع اعتماد الهدف الرئيسي، إلاّ وهو الإنسان لا العكس، لأننا كلما اعتمدنا الواقع مغيباً للإنسان فذلك يلزمنا هزائم ذاتية، وتدخلنا مثل هذه الكتابات فلسفة العدم، أو كما أحب أن أسميها بالكتابات الإستلابية ـ أي إعدام الكتابة بواسطة فرضية فنتازيا الفراغ والإفراغية ـ ! وجل هذه الكتابات تعتمد التسلية في غير محلها.
وهذا هو الإنتحار الحقيقي لتاريخ وتاريخية الكتابة برغبة الكاتب المتسللة لقلب الحقائق بتفجير عقائدية جديدة، لكنها لا تعيش سوى إعدام ملزم لعدمية ثابتة، هي رغبة الكاتب بواسطة قلب معادلة الحياد إلى معادلة قد أسميها تجاوز الحياد، وكلما تجاوزنا الحياد فنحن نعبر عن مواقف محبطة تعيش العدم كواقع، والصراع كذات.. مع ما قد تحمله مثل هذه الكتابات من جمالية قد تكون مطلق ما في الإبداع في مثلها ـ وليس الحياد هنا بالمفهوم السياسي ـ .
في أحيان كثيرة قد يكون الإفراط في مثل هذه الجمالية، ما هو سوى هروب من الذات ورفض التعبير الحقيقي عن الواقع حتى من داخل وخارج تناقضاته، وذلك في محاولة تزييف قيمة الكتابة كعمل إبداعي له من الأبعاد الوجودية والإنسانية ما لا يمكن أن نتنكّر له خلال المسؤولية التاريخية والحضارية.
أما فيما يخص القيمة الفنية للكتابة كعملية إبداعية، فذلك يجب أن يبقى عبر الترابط الموحد للبعد الإبداعي، حتى لا يموت الكاتب وتعلن الكتابة إفلاسها ذاتياً ومعنوياً، من خلال استمرارية ازدواجية الجدلية لا الجدل فقط، مع التحكم في الآليات الفاعلة، مادية كانت أو معنوية، لخلق فعل الكتابة كقيمة إجتماعية كذلك، لها دورها الإجتماعي والتاريخي وجودياً وحضارياً.
|
|
ثنيّة ما ستعلم ـ الحب محروس، والتراب نهاية المطاف |
(إلى أحمد أمير وهو يعلو)
عقيل علي
قبل ذكرى حياتك
عزلت أيامك.. أيامك الصحيحة
وجلست تتأملها
وعندما ضجرتَ
ناديت الأحلام، وناديت النسيان كذلك..
قبل ذكرى حياتك
طويلاً وقفتَ لُيغَرَّبَك جدار طويل من السنوات
على مائدته يرشح:
- نداء شهقة
- عشب الأرامل
- وكتاب يقول ما سنُلقي به من سبب
بين اقفالك ومفاتيحك مشى جنّازون.
قبل ذكرى حياتك
وعندما ضجرتَ من الضجر أقفلت أقفالك
وطردت شحّاذي ألوانك
أول شحاذي ألوانك كان الكلام
إذهب أيها الكلام وواسِ أسى الأم.
بورتريه - 1 -
- ارسمني يا أحمد
- لا، اكتبني يا عقيل
- ورقتي بيضاء يا ظبية اللون
لكنه رسمني بسكرات العلوّ
آه اليزابيث، أصابعك المثناة على شعر رأسه المضفور
وأنفاسك.... أه اليزابيث.
بورتريه - 2 -
قديماً هبطت ليالٍ، وأشعلت (مصباح البدايات)
في صريفة تحت جسر النصر
بدأت أولى (الّلمّات)
كاظم جهاد - عقيل علي
هو في القلب
(أحمد أمير)
من البصرة يأتينا حسين عبد اللطيف
من صحراء السلمان يأتي خالد المعالي
يهبط علينا من الشطرة مساح البياض (حنتوش)
وحين يصيح الديك كنا نسهر على إملاق من طراز خاص
كانت الناصرية.
بورتريه - 3 -
قديماً هبطت ليالٍ، وأشعلت مصباحها
علا المصير
ونامت البلاد، ونامت كمائنها
((ليكن)).
نام الشاعر، ونامت احتمالاته
(وسادته حذاء الحقائق)
((ليكن أيضاً))
- هذا قليل
من كل شئ في كتاب يقول نهاية
ما سنلقي به من سبب
وهذه أفكار نمت في رسغ الطاعة
وذاك فجر الذهب، الذي يحلم بحرائق وأوسمه
نام النوم
فنم يا حذاء الحقائق
فأنت هباء.
بورتريه - 4 -
يا دمع أنت دم، آه من وجع العراق
دمك الذي يسيل على القماشة، هو دم جرح المنال
قُرحةُ ليلك مَنْقَعُ عذاب
لن يحميه حتى النهد الذي نذرت له
أنت كومة غرابة
صعدتْ من فم فاغر
رجرجتَ كل ما يُحَسّ
حتى السكون
تتبعك الشمس
وتُرقدك كملاك لم يَمْسَسْهُ دنس
حسن حشد أحلامك
وحسن استيقاظها
المياه اليقظة هي وحدها حظّ مَنْ يعلُون.
(25/5/1994 الناصرية.. تنشر لأول مرة)
|