|
كتابة وإعداد: د. تيسير الآلوسي
بعد مؤازرة جدية فاعلة من أبناء الرافدين لنشاط الإحتفالية العراقية بيوم المسرح العالمي، الذي انعقد في آذار الربيع والنجاحات.. نشطت (رابطة بابل) فعقدت في إطار الرواية والشعر ندوتين.
* كانت الأولى مع القاص والروائي العراقي إبراهيم أحمد بدنهاخ في السابع من أبريل. وفي الوقت الذي عزف فيه الديب على لحن خلود الإبداع العراقي، وتقاسيم النوى لأيام المعاناة تحت ظلال عنف الديكتاتورية، وهي تحمي عصابات التكفير التي طاردت الإبداع.. راح الجمهور يعزف لحن عذاباته، ليعلن ان أدباً لا يضع الإنسان هدفاً وجوهراً له ليس مما يتابعه ويهتم بشأنه.
* وفي ندوة أخرى انعقد في خيمة الشعر والرواية، لقاء تميّز بالاحتفاء بالجمال والحرية والانعتاق من قوالب التعبير الجامدة.. هكذا أراد الشاعر والروائي فاضل العزاوي لعصافير قصائده التي اختارها، أن تنشد في ندوته بتاريخ 22/6/2001.
* وعقدت الرابطة ندوتين. واحدة عن الفن التشكيلي، مستضيفة الفنانين ستار كاووش ويوسف غاطي، قدم لهما الفنان زياد حيدر والصحفي عدنان حسين أحمد، ثم انطلق الجمهور في حوار أشار إلى دعوة جديدة لمثل هذه الندوات..
* وكانت الندوة المسرحية التي انعقدت في 26/5/2001 وقُدّم فيها عدد من الأوراق مع فتح باب الحوار، الذي أكد وحدة عراق الداخل والمنفى هماً ونضالات وإبداعاً.. فكانت كمثيلاتها تظاهرة عضدّت مسار الإبداع الأدبي والفني، وفضحت وجه الديكتاتورية القبيح الذي لم يقف عند معاداة الثقافة والفنون، بل عمل على مطاردة مثقفينا، ومنع نتاجاتهم من الظهور أو الوصول لجمهوره.
وفي إطار الأنشطة الدرامية، ساهمت رابطة بابل في مهرجان برلين للمسرحية العراقية، بمسرحيتي (البهلوان والخراب) اللتين كانتا قد قدمتا في يوم المسرح العالمي هنا. وفي كلمة المسرحيين العراقيين بهولندا، طالبت الكلمة بضرورة العمل من أجل تجمع المسرحيين العراقيين في اتحاد مسرحي، يضم أيضاً رابطة لنقاد المسرح العراقي في المنفى، ورابطة الممثل مع العناية بتشكيل فرق مسرحية تدعمها الروابط والجمعيات العراقية، بما ينعكس على فعاليات مؤثرة ليس في أبناء جالياتنا، بل في جمهور البلدان التي تستضيف هذه الفرق.
زاوية رؤية
ندوة (رابطة بابل) يحضرها جيلان.. جيل لم يألف بعد احتفالياتنا وحواراتنا، إنه يفتح عينيه على عالم الثقافة والفنون هنا أول مرة.. فيما يحضر الجيل الآخر متسلحاً بذاكرة أنهكتها قسوة المنافي وممحاة الغربة، وفي كلتي الحالتين نجابه بعنفوان المساجلة المستفزة بهذا الواقع، وهو الأمر الذي يدفع عادة إلى حوار منفعل، يسحب خطوط الحوار نحو التساؤل باستمرار عن صلة التعبيرين الأدبي والفني بعوالمهم ومعطياتها. إن مثل هذا التركيز على إشكالية العلاقة بين الواقعي/الجمالي، يعود إلى طغيان حالات الإستلاب والإستغلال التي يتعرض لها طرفا المعادلة الإبداعية.
كذلك حالة التشويش التي أصابت مفهوم الأدب، وقيمة المعالجات الجمالية لموضوعات الحياة المتنوعة. وإذا كان لمثل هذه الإشكالية من جذور، فأن وضعها الآن يزداد ارتباكا بالإستناد إلى ظروف معلومة.
وندوة بابل، اليوم، أمام مطالب ثقافية وأدبية وفنية متنوعة، إذا لم تستجب إليها فلسوف تتحول إلى تداعيات وخواطر، هي أقرب لأحاديث المقاهي منها إلى الندوة الثقافية المتخصصة. وللرابطة أن تختار لدورها توصيفة الأنسب والأنجع لتلبية مطلبين: أولهما.. إشباع حاجة (الجمهور) من جهة مناقشة أوضاعه الحياتية بمفرداتها الاجتماعية والسياسية، فقد أعلن (صوته) باستمرار عن هذا المطلب... وهو فعل أدى لتحويل كثير من الندوات الأدبية، أو الفنية إلى طغيان الخطاب السياسي، وخلط أوراق المعالجات، فليست معالجة الأدب ذاتها معالجة السياسة لموضوع بعينه.
ثانيهما.. إعطاء طبيعة الندوة، لونها وتخصصها حقه من المعالجات النقدية، بورقة تخصصية أو أكثر يظهر خلالها المثقف والرابطة أيضاً. وفي هذا الإطار نكسر رتابة واقع المثقف وأنزوائه، وخلق علاقة حيوية بين الرابطة وأعضائها وجمهور الجالية.
ولا يصج بعد ذلك لحوارنا مع أديب، أن يتحول إلى حديث في تجربته السياسية، مع إلغاء لمناقشة نصه الأدبي، أو لمخرج مسرحي أن يتحدث إلينا في (الدرس الفلسفي) بدلاً من تجربته الفنية، وليس لورقة (نقدية) أن تتحول إلى لوحة أدبية وصفية تنافس قصيدة الشاعر شعريته.
والبركة في الحركة (....) وخيراً تفعل الرابطة في توسيع أنشطتها ولقاءاتها مع الجمهور، وسيكون الخير أعم وأشمل حين يتسع لمبدعينا جميعاً، فيشكرهم في برنامج يتسم بالتنوع والتكامل والابتعاد عن الراهنية الآنية.. وهي لا من صفات الثقافة والإبداع، ولا مما يعول عليه في التأثير الموضوعي بعيد المدى.
فما المانع في مثل هكذا برنامج؟ وما المانع في الإنفتاح على جموع الإبداع؟ وما مانع دخول المتخصص لندوة بابل؟.. ولِمَ الإنتظار؟ في زمن صارت (الثانية) زمناً طويلاً في قياس الفعاليات... وشرعوا يحسبون بالنانو والقمتو..
آراء وملاحظات.. بين سطور الندوة المسرحية
سعت رابطة بابل إلى وضع أعضائها في إطارات الفعل والإبداع، ومثل هذا الأمر واقعياً يتحمل وزره عدد محدد من جهة التخطيط والإعداد والتنفيذ، ولكن نجاح البرامج ومفرداتها يظل مرتبطاً بفعل مجموع الزملاء من الكتّاب والأدباء والفنانين.. وهذا ما حصل في الندوة المسرحية، حيث ذلك المزيج من الروح الأكاديمي والروح الإبداعي.. كاتحاد نهري دجلة والفرات ولقاء بين روح الخبرة والنضج وروح التوق والحيوية، كالنخلة والزيتونة في بستان عراقنا، مسرحنا الواقعي الحقيقي الذي انعقدت الندوة في ظلالهما بطموح مناقشة محاور كثيرة سجلتها ورقة الدعوة والتحضير وهي:
المسرحية العراقية في المنفى، الإتجاهات والتجاريب الجديدة. وفي هذا المحور قدم الفنان حازم كمال الدين ورقته، عبر التركيز على لغة الجسد والحركة بوصفها قيمة دالة.
المسرحية العراقية زمن الحصار بين القيم الإبداعية وضغوط الواقع. وقريباً من هذا المحور، كانت ورقة قاسم مطرود تتحدث عن تجارب مسرحية تتحدى الأوضاع السلبية القاسية داخل أسوار بلادنا المبتلاة بحصارين.
مفاهيم وإشكاليات مسرحية:
قراءة في تطور الكوميديا العراقية.. قريباً من هذا العنوان قدم الفنان رسول الصغير تداعيات ساخرة من ذكريات الأيام المرّة، محاولاً التذكير بأن السخرية وليدة مرارة الحياة ووجهها التراجيدي. وقدم الدكتور نور الدين فارس محطاته التاريخية المضيئة، عبر قراءة مسيرة المسرح العراقي في قرن من الزمان.
أما في إشكالية التقعيد في الإخراج المسرحي، فقد اختزل الدكتور تيسير الآلوسي معالجة مطولة في الإخراج المسرحي، مشيراً إلى جدلية التفاعل بين التجربتين العراقية والإنسانية في هذا المجال. كما اختزل الفنان هادي الخزاعي تجربته في موضوعة المسرح المناضل. ولم يتسع زمن الساعات الخمس لمحاور أخرى كانت موضوعة في جدول عمل الندوة وهي: المسرح التجاري بين القيمتين الأخلاقية والجمالية. وإشكالية العلاقة بين امكانات الإنتاج، وامكانات الإبداع الفني. والتأسيس العلمي لمفهوم الأدب المسرحي. وتطور النقد الدرامي ودوره في الحركة المسرحية، وأهمية التوثيق المسرحي، وأهمية المؤسسات المسرحية في دفع الإبداع الفني، ومعالم التطور في المسرح الكردي المعاصر، وتصورات ومقترحات للمهرجان المسرحي الأول.
وكل هذه المحاور تمتلك أهميتها للدراسة والتداول، وذلك من أجل نقل الخبرات لأجيال جديدة تنمو في رحم مسرحنا، ولا تمتلك مصادر لمثل هذا الدرس وهي بعيدة عن بغدادنا.. مشعل الفن والإبداع، ومن أجل بلورة آراء النقاد وإيصالها للجمهور من جهة، وللفنان المبدع من جهة أخرى بغية تعميم وتعميق الفائدة.
ونحن هنا نتوقف عند الأوراق والتداخلات التي قدمت بشكل سريع.. فورقة الدكتور نور الدين فارس استعرضت المسرحية العراقية، مشيرة إلى بداية مسرحنا مع النص المترجم وافتقارنا لدراما حقيقية حتى منتصف القرن العشرين، حيث يذكّر ببعض الأعمال من مثل الأسوار، ومسرحية اللون المقتول التي يرى فيها اعتماد منهج العبثية، ولا بد هنا من التذكير، بأن المسرحية العراقية قد بدأت منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حيث يؤكد ذلك العديد من القراءات المعاصرة وأول نص بين أيدينا "لطيف وخوشابا" يعود للعام 1892، وحتى العام 1939 أمامنا عشرات النصوص المسرحية التي تخضع لشروط النص الدرامي، ولو ظهرت فيها بعض الثغرات، إلاّ ان أحداً لا يمكنه إلغاء مرحلة التأسيس الأولى لمسرحيتنا. وهناك هنات اعتذر الدكتور فارس عنها، لعدم توافر المصادر واعتماده الذاكرة البعيدة في توثيق بعض المسرحيات، غير ان ما يقبل الجدل هو كيفية قراءة بعض المسرحيات أو (قَدَرية) تفكير بطلها!.. ولإغناء هذه المداخلة نحن بحاجة لقراءة التجربة المسرحية، عبر قراءة نقدية لا تتجاوز مرحلة أو تلغي أخرى، مع ضرورة توظيف الأدوات التحليلية الملائمة.. نذكّر فقط هنا بمرحلة الستينات ومسرحيات مثل الطوفان، أو أشجار الطاعون، صورة جديدة، المفتاح.. وهي علامات أخرى لا تمحى من ذاكرتنا.
في ورقته.. أراد قاسم مطرود من حيث لم يدر الفصل بين الداخل/ والخارج في الشأن الثقافي، ومنه الإبداع المسرحي العراقي، ولتلك الورقة حسنات عرض بعض المنجز المسرحي الثمانيني، والإشادة بتجربة غنية فنياً وعالية القامة في معالجاتها وتحدياتها. وسرعان ما أثارت الورقة لهفة أولئك الذين غادروا البلاد مبكراً وأرادوا أن يطلّوا على تجربة لم يرونها.. انها وثيقة شاهد عيان.. فكان ذلك بعض الرد على وجود انفصام بين الداخل والخارج، أو ان نقاداً بعينهم ألغوا إبداع الزمن الصعب، غير ان المهم هنا هو التأكيد على كون الإبداع المسرحي، هو مفخرة التحدي لحاملي راية المسرح، وليس لسلطة قمعت كل قيمة ايجابية في عالم الآداب والفنون مثل سائر عمليات الإستلاب والقمع بألوانه في بلادنا.
أما الفنان رسول الصغير.. فكان نموذجاً لمسرحي من الداخل، بكل ما قدمه من تراجيديا مغلفة بسخرية ناقدة لاذعة، التجأ إليها في صراعه مع تفاصيل حياته اليومية، وللصغير الحق في قوله: "وجدتني في سخريتي أقرب للجد" ذلك ان السخرية تعتمد المنطق العقلي، وان الكوميديا لا تطلب من المتلقي التعاطف مع الشخصية في مأزقها.. ومن الاسترخاء الشعوري يستمد المتلقي نشوة السعادة، وهذا الإسترخاء لا يتحقق إلا من إحساس بوجود (حارس) هو (العقل)، يضع حدوده الخاصة لمنطق المسموح به مما يثير الضحك.. وما زلنا بعد ذلك بحاجة لمعالجات أخرى لهذا المفهوم ودوره في حياتنا، وفي مسرحنا.
ومن نشاط مسرحيينا في المنفى كانت شهادة الفنان هادي الخزاعي، تذكرة سفر إلى تجربة المسرح المناضل، الذي عمل في ظروف مكافحة بنية التخلف وإحلال بنية التنوير الثقافي والإجتماعي، فالتقى عبر ذلك جمهورنا بمشاهد من مسرحية، جاء الأداء فيها منفعلاً وخطابياً بالإستناد إلى الخبرات الأولية (للخامات) التي أدت الأدوار، كما لوحظ ثبات نسبي لمواقع الشخصيات، وهو أمر يتعارض من جهة التجسيد الفني مع فلسفة العمل، وغايته في التغيير، فضلاً عما تثيره سكونية المشهد البصري في ذهن متلقيه..
ومثل هذه الحقيقة، استدركتها تجربة الفنان حازم كمال الدين في تركيزه على الجانب أو البعد البصري، ولو ذهب بعيداً في رؤيته بالمبالغة في إهمال المنطوق أو النص (كما هو حال مسرح الصورة عند صلاح القصب) الذي يجعل المنطوق مجرد عبارات تكميلية مهمشة.. لكن ما يجب الإشارة إليه، هو أهمية التجسيد البصري في إيصال الدلالة، وإضفاء المتعة، ومنح المخيلة فرصة التفاعل مع المحسوس بالتحام واقعي مع لحظة العرض، مع الحذر الدائم من التحول بالمسرح من دراما مركبة تستوعب السمعي والبصري بشكل تكاملي، إلى مجرد تخيلات تشكيلية متحركة توفر إمكان إلغاء المخرج، وتحويله إلى سينوغرافي حسب حالة إلغاء أو تهميش (الأدب المسرحي) الذي تعرض باستمرار للهجوم.
في البدء قيل فيه: إنه كلام مَفْسَرة، أو جرى تكفير محتواه بالإستناد إلى تعارضات مفتعلة مع سلطة لاهوت القرون الوسطى. وكان ذلك بفضل الدور الذي لعبته الدراما في فضح الوجه الكالح لمظالم الإقطاع ونظامه.. واليوم يتعرض هذا الفن الراقي لمحاولات تفريغه من مصمونه لنفس الهدف، ولكن بحجة أو وسيلة جديدة، حيث تغلب البصري على السمعي، وبالتحديد (النص: روح الدراما الأول).. وللأمر بقية في مناقشة أهمية الأدب المسرحي ودوره في وجود المسرح وبقائه.
الدكتور تيسير الآلوسي، قدم بإيجاز شديد جزئية من قراءة في مفهوم الإخراج قائلاً: (إن تصور كون العملية الإخراجية حالة من ديمومة التغير، أو التجديد المستمر، أو انعكاسات مزاجية للمخرجين، يجعل بعضهم يتصور ان دراسة تاريخ الإخراج المسرحي، ومفهومه ليس إلا ترفاً معرفيا،ً أو دراسة تنحصر في باب التوثيق والإطلاع. غير ان لكل إبداع قواعده وأسسه المعرفية، التي يجب التمعن فيها من أجل خلق التراكم المعرفي المؤدي إلى الإفادة من التجارب، واستخلاص الدروس منها.. ثم أردف قائلاً: إن لفظة مخرج هي مفردة تكشف ثقافتنا البصرية السمعية، وقيمها الجمالية. ولهذا فان أي مخرج يلغي من حسابه الصنعة الدرامية من جهة خطاب النص، لا يلغي نصف الدراما، بل يلغيها كلياً لأنه بالغائه للكلمة/ النص يهدم الأساس الذي قامت وتقوم عليه الدراما..) وأشار إلى "ان الفيصل في الفرز بين الأصيل والدعي من التجارب الإخراجية، هو امتلاك الحس الدرامي.. لأنه يقف ـ أي الحس الدرامي ـ عند حدود ضبط إيقاع العمل ومداه الزمني، بل يتعداه إلى تركيب قوانينه النوعية والصنفية بالكامل". كما قسّم العملية الإخراجية على اتجاهين أساسيين هما: الإتجاه الخارجي (التشكيلي)، الذي انصب الإهتمام فيه على العناية بالديكور، والإضاءة، والتكوين البصري ممثلاً لذلك ببول فورت وتزيينية ديكوره الخيالي الحلمي، وجوردون كريج واعتماد "الدمى" بدل الممثل وآيبا في استعمال الضوء الفضائي الشاحب، وحزم الضوء المكثفة لإبراز جواهر الأشياء.. والإتجاه الآخر هو الإتجاه الداخلي، الذي يعتمد كشف الأعماق الدفينة للنص المسرحي، كما هو حال معظم مخرجي الحقبة الأولى لحركة الإخراج المعاصرة. ثم تمت الإشارة سريعاً لتقسيم آخر بين مخرج قارئ، مفسر، مخرج مبدع أو مغيّر.. وبصدد المخرج العراقي قال الآلوسي: إنه لم يكن مقلداً آلياً بقدر ما كان مستفيداً من خبرات الآخر، وموظفاً لها في خدمة غاياته البنائية الفنية منها والفلسفية، وهذا ما يفسر تنوع أو تلوين تجربة الآخراج العراقية، حيث واقعية جاسم العبودي وتميّز أعماله بالدقة التاريخية، ودوره في تصحيح طريقة الأداء التقليدية، وبين أسلوب إبراهيم جلال الذي يمكن القول عنه، إنه أقرب للملحمية ولو تنوعت المدارس والمناهج الإخراجية التي اتبعها، وهو ما دأب عليه الفنان سامي عبد الحميد، بتنقله بين التجارب بالمطابقة مع استعمال نصوص متباينة من كلاسية وطليعية وشعبية.. بينما عمل الفنان قاسم محمد على إعداد نصوصه بنفسه، حتى يتيح له ذلك حرية أكبر في أثناء فعل الإخراج بخاصة.. إنه رفض المسرح (التقليدي) مقدماً بنية عرض جديدة من بنات أفكاره، فألغى الصالة الإيطالية، ودمج الصالة بالمسرح، واعتمد مسرح الفرجة/ الاحتفالية.. وقدم (مجالسه) المسرحية برؤية درامية تحاول التأسيس للمحلي الخاص.
لقد أثارت هذه الأوراق جملة من التساؤلات والتقاطعات، احتاجت لزمن أوسع وعدت إدارة الجلسة بنقلها لرابطة بابل، والعمل على تنفيذها في المستقبل المنظور. ومن المتداخلين كان الشاعر رياض النعماني الذي تحدث عن عمق العلاقة الروحية بالوطن وبكل الأعمال النبيلة، التي تجري فيه متحدية مرارة الزمن الصعب، واتفق مع توجه الفنان كمال الدين البَصَري في إخراجه (رأس المملوك جابر) كما أثنى على تنوع الحوارات وغناها.
وتحدث الدكتور نوري الإنصاري قائلا: عشنا هنا عرساً بين صوتين، المنفى والداخل، ولو كنا واحداً أو كلاً لا يتجزأ، مشيراً لضرورة إعادة ترتيب بيت المبدع العراقي، مقترحاً تشكيل لجنة مسرحية لدعم مثل هذا النشاط الواسع والعيق، بخاصة أمام وجود إمكانات كبيرة يمكن توافرها للمسرحيين عند إنهاء (العزلة)، والانفتاح على الهولنديين، وهو ما يمثل في الإنتاج المشترك واللغة التي تصل المتلقي الهولندي.
ومن الأصوات الحيوية الشابة تداخل الفنان أحمد شرجي مؤكداً: اننا (نحن) القضية، ومن ثم فأن جملة البحوث والأعمال لا بد من أن تستهدف هذه الـ (النحن) جمهور الفن ومبدعيه... وتساءل عن العلاقة بين قراءة د. نور الدين فارس وعنوان ورقته، مشيراً إلى تاريخية القراءة وتقليديتها.. وبصدد إبراهيم جلال قال عنه إنه ملحمي، وليس قريباً من الملحمية معقباً على ما ورد في ورقة نقدية.
كما وردت تساؤلات عن ضرورة تغطية المسرح الكردي، والدعوة لهيأة مسرحية تنشط الفعل المسرحي، الذي يقف أحياناً أمام (مسرحية بلا جمهور) وتابعت الفنانة مي شوقي حوارها قائلة: إننا أمام مهمة ملحة هي ضرورة العودة لعراقيتنا، "ملمحة بذلك لبعض المشاهد التي قدمها الفنان حازم كمال الدين" ومتسائلة عن جدوى مثل هذه المعالجات الدرامية، بمجابهة تقاليد فنية وسلوكية خاصة بالعراقي... وأعادت الذاكرة، كعادتها الذكية في إحياء الخصوصية والهوية العراقية إلى "نجاحات المسرح العراقي في روح العمل الجمعي بعيداً عن أثرة الذات" مقترحة لقاءً خاصاً بالمسرحيين يتداولون فيه شؤونهم.
ووردت تساؤلات عن التوثيق المسرحي، ونجاحات المسرح في زمن الحرب والحصار، وعن البحث في مسرح (المحترف) وعن اختلال مفهوم الخصوصية والتفاعل مع تجارب الآخر. أجيب عنها بوجود برنامج يلبي هذه الطموحات، وهو يحتاج لدعم أعضاء الرابطة والمتخصصين، ومن ذلك مثلاً الإعلان عن المهرجان المسرحي العراقي الأول بهولندا.. ويذكر ان الفنانة غزوة الخالدي قد حضرت هذه الندوة، ونشطت في تسجيل اللقاءات الصحفية تغطية لفعاليات تتنامى مزهرة في خطى تتسارع متلهفة نحو بغداد الأمل، وعراق الخير لأبنائه ومبدعيه جميعاً.
|