|
صلاح حيثاني
شهدت مدينة دنهاخ (لاهاي) موسماً تشكيلياً حافلاً، تمثل في احتفاء مجموعة من الغاليريات العريقة بتجارب فنانين رواد على المستوى الأوربي، كالعرض الذي أقامه غاليري (Vander Vet) للفنان البلجيكي (Rein hout)، ومن قبله (Appel) وغالري (De Galerie presenteert) الذي أقام معرضاً واسعاً للفنان (Jas)، ومن قبله معرضاً لأعمال الفنان البلغاري (Kanev) والأمريكي (Morgan) وغاليري (Azul) الذي انتهى من التوفر على مجموعة مناسبة لأعمال الفنان الأسباني الراحل (Joan)، الذي رحل في منتصف شهر تموز بعد مكابدة طويلة مع المرض، وعرضت في معرض مشترك. كذلك حفلت صالات وأماكن عرض أخرى بعروضٍ عديدة لمجموعة من الفنانين العراقيين، فلقد أقام غاليري (Kandas) معرضاً للفنانين نديم محسن وسلام جعاز من العراق والفنان (Izat shabani) من كوسوفو.. وغاليري (Art Form) في فوربورخ، الذي اشتمل عرضه الصيفي على طائفة واسعة من الفنانين، بضمنهم الفنانين حسن عبود وفاضل نعمة. وغاليري (Azul) الذي أقام معرضاً مشتركاً لثلاثة فنانين هم: الأسباني الراحل (Joan) وقرني وصلاح حيثاني، كما اشتركت مجموعة من الفنانين في معرض أقامته بلدية (Leidschendam) لفنانيها اللاجئين، وتم مع مؤسسة (V.V.N) المعنية بالدفاع عن اللاجئين وحقوقهم.
ففي المعرض الذي أقامه (Vander Vet) للفنان (Rein houd) لمناسبة مرور عشرين عاماً على إنشاء الغاليري، عمد السيد (Vet) على تعريف الجمهور بالمساحة التي يشتغل عليها الفنان، والتي عرف بها منذ التحاقه بتجمع (كوبرا 1948) مع زميليه (Alechinsky) و (Dotremont) وهي النحت بمعدن البرونز، والخزف، والحفر (الطباعة) بطريقة الكلائش المعدنية المعالجة حرارياً. كما تتوفر لزوار الغاليري مجموعة كبيرة لأعمال الفنانين الهولنديين (Appel) و (Cornelle) والتي تم إنجاز طباعتها (وخصوصاً Appel) بالمشغل الملحق بالغاليري. وأما المعرض الذي أقامه (De Galerie) للفنان (Jas)، فكان على شقين وفي مكانين معاً، الأول في بحيرة البرلمان الهولندي، والذي اشتمل على ( 25000 من آنية الزهر) موزعة على 12 زورقاً يمثل أقاليم هولندا... وأقيم معرض البحيرة (Armada) وهو اسمه لمساعدة أطفال العالم. أما الشق الثاني من معرضه فكان في قاعة الغاليري، وتضمن مجموعة من أعماله، التي أنجزها بالزيت على القماش خلال السنتين الأخيرتين، وبالكثافة اللونية التي يزيد من إشراقها صخب ضربات فرشاته العريضة، وسكينه التي تبرز الحساسية الفائقة للألوان المطموسة، ولا شك في ان المدة التي قضاها الفنان في محترف (De Koning) الفنان الأمريكي (من أصل هولندي)، والتي امتدت منذ أواخر الستينات وحتى السبعينات، تركت أثرها عليه، وتخصيصاً الأعمال التي أنجزها (De Koning) في نهاية الخمسينات حتى منتصف الستينات، حيث تراجع الشكل أمام زحف الأنشاء باللون ومعالجاته المختلفة.
وفي الحقيقة نجد من المفيد حقاً، أن نذكر ولو على عجالة أهمية المعرض الذي أقامه ذات الغاليري قبل مدة، للفنان البلغاري Kanev ومن قبله الفنان الهولندي Koste ومن بعدهما في معرض جماعي جمع الثلاثة معاً الفنان الأمريكي (Morgan)، ونجد ان الثلاثة يشتركون في منطقة بحثية متقاربة.. ربما كان للتأثير الصداقي مفعولاً واضحاً في تأكيد هذا التقارب، فلقد سبق لـ (Koster) و (Kanev) أن نفذا معاً أعمالاً مشتركة. أما ما يخص موسم غاليري (Azul) فكان ممثلاً بالإحتفاء بتجربة الفنان الراحل (Joan) بأربعة أعمال، بمواد مختلفة على الخشب في تقنية جميلة حقاً، وأظنها فريدة في بابها، فلقد عرف عنه ولعه بالمشروع المتكامل أكثر منه باللوحة المفردة، فلقد أنجز في عام 1992 مشروعاً من (200) صندوق خشبي بقياس 15×15سم وعرضه في أماكن مختلفة، ومن ضمن الأماكن مسرح روماني قديم حيث افترش أرضه الواسعة في إنشاء يأخذ البصر.
أما أعماله المعروضة في (Azul) فلقد أنجزها بطريقة معالجة الورق المنسوخ باللون، ومعالجة السطح بالحك والحزوز ودهنه (بدهان السيارات) الوارنيش، وكانت عرفت إلى جانب أعمال (Joan) أعمال الفنانين العراقيين (قرني) و (صلاح حيثاني). أما أعمال قرني، فتتفاوت بين التخطيط بالحبر والمواد المختلفة على الورق، وبحجوم مستطيلة في الغالب، وهي تتخذ هيأتها وتفرض حضورها بتقشفها، ورهان قرني على الفراغ باعتباره كتلة تشغل السطح بثقل، واعتماده مجموعة لونية متقاربة، ومن عائلة واحدة (البني ودرجاته) وعند الإنتهاء من مشاهدة الأعمال يبلغ قرني رهانه العميق (تدمير اللون)، وهي المقولة التي دأب على تكرارها دائماً، فمعروف ان الألوان تنولد جميعها من الأبيض، فالصريح منها معروف والمزج يتحول إلى بحث، فمثلاً، اللون الأبيض تبدأ حيواته من ولادته من الأبيض ـ أزرق مبيض ـ حتى يصبح سمائياً فشذرياً فبحرياً (لازوردياً)..إنتهاءً بالأسود.
ومن هنا سيكون مثلاً اللون البنفسجي، هو نتيجة لمزج الأحمر الذي مضى على ولادته أربع سنوات مع الأزرق، الذي مضى على ولادته أربع سنوات. لا بل الرصاصي... هكذا يمضي قرني في عمليه، ونتائجه هي بلا شك من ثمار أبحاثه وتجاربه. أما بالنسبة لصلاح حيثاني فقد عرض (8 أعمال) مواد مختلفة على الخشب، وأترك لأصدقائي تدوين مشاهداتهم بصددها. فغاليري (Kandas) جعلنا أن نتوفر على فرصة مشاهدة أعمال فنانين عراقيين هما (نديم محسن وسلام جعاز) وفنان من كوسوفو هو (Izat) ولانخفي سعادتنا ونحن نشاهد معرضاً للمرة الأولى لصديقينا نديم وسلام. ولو كان معرض سلام قد أقيم في مكان آخر غير قاعة الغاليري، ولكن الاتفاق وفي واحدة من أعرق المكتبات في دنهاخ (لاهاي).
كنا قد شاهدنا قبل سنتين أعمالاً لنديم في زيارتنا له في بيته، وأعمالاً أخرى مصورة وغيرها في مجموعات الأصدقاء الشخصية، ودائما كنا نجد ان الدأب الذي يميز نديماً في بحثه يستحق إلى ما هو أكثر من الثناء، وهذا الدأب تلازم خصوصية البحث وعمقه ومحاولة الإرتقاء به إلى مصاف لا تشتبك مع السائد.
وفي هذا المعرض وفق نديم على حد ما في إظماره.. وخصوصاً في أعماله التي نفذها على الورق المعالج بمواد مختلفة، أو استعمال التقنية الطباعية (الكومبيوتر) على شرائط ورقية مديدة، أو مشروع كتاب (البئر والعسل) عن كليلة ودمنة (أسعدنا كذلك استعماله لعنوان بحثي البئر والعسل) الذي نشر في الأعداد السابقة من البيت العراقي.
نريد هنا التأكيد على أن نديم محسن جعلنا نتحسس الطين المطبوخ، وهو ينضج بين أصابعه ثم يخرج منها على السطح مؤسساً حضوراً بهياً، وكأنه أراد أن يقبض على حيطان بابل القديمة، قبل أن تغادر أرضها الأولى. لقد عمد إلى تقنية جميلة ليجعل من عجينته ماصلة، شاحبة ومتشققة، حتى يكون في وسعك في أحيان مختلفة أن تتساءل كيف في وسع القماشة أن تتحمل كل هذه الإنفعالات، ومن الكثافة الطاغية واللصق والتحزيز العميق. ومن جانب آخر، نجد ان أعماله التي نفذها على القماش المطوي فيها بعض العجالة. وطريقة تنفيذها ومعالجاتها تختلف عن معالجاته في أعماله على السطوح الثابتة، ولكنها تنتمي بالطبع إلى مساحة ذات رؤية. وبالنسبة لأعمال الفنان (Izat) فهي تختزل رؤيته للمدينة ومعالمها وغموضها وفيها تجد العمران يقفز على ذاكرة المكان، هل هي مدينته الفاضلة؟ أو ما تبقى منها. أم هي الخيط الذي يقوده إليه؟.
ومن الجدير بالذكر أن المعرض أقيم بالتعاون مع مؤسسة (UAF)، ذات السعادة، أقتنصناها في مشاهداتنا لأعمال صديقنا سلام جعاز، الفنان الذي نجده دائماً مثالاً على المثابرة، التي أفضت إلى نتائج مرموقة لم يتوفر عليها العديد من زملائه في ذات الفترة. فلقد كان سلام أول عراقي يتخرج من الأكاديمية الملكية بدنهاخ، وكانت الدراسة في جوهرها تعويضاً عن الحيف والظلم، الذي لحق به إبان دراسته الأكاديمية في العراق.
إشتمل معرض سلام على ثلاثة عشر عملاً غرافيكياً وعملين بالزيت على القماش، وفي أعماله الطباعية يغادر سلام جعاز منطق الموضوع إلى المصادفة، وما تفضي إليه من معالجات تعززها جرأة الفنان في استعمال (الكواتنت)، في خلق سطوح متفاوتة في درجاتها اللونية تتخللها خطوط غليظة وعفوية. ـ وفي الوسع مشاهدة نماذج من أعماله في العدد الرابع من مجلة واحد (أشكال تركض في البياض) ـ ويقدم سلام شهادته عن عمله في عذوبة كبيرة، حيث يتحول في أثناء الحفر على معدن الزنك إلى الحامض ذاته، وهنا يكون في وسعه أن يتحسس الهيئة التي سيكون عليها بعد إنجاز عملية الحفر.
وكان للفنان حسن عبود عرض صغير في (Art Vorm).. عملان بحجم 30×30سم نفذها بالاكريليك على الخشب، وهما يؤكدان بلا ريب مهارة حسن وحسه اللوني الصافي، ولكنهما في ذات الآن يتقاطعان مع مجموعة أخرى من أعماله. فحسن عبود لم يسع في يوم أن يجر نفسه وتربته إلى دائرة ويغلق عليه طرفيها، لذا من السهل أن نجد مناخات متعددة لعمله وآفاقاً لا تركن بشكل نهائي إلى ما يمكن أن نصطلح عليه بالأسلوب أو المناخ الواحد.
ذات الغاليري وفي ذات العرض الصيفي كان لفاضل نعمة وجود أوسع تمثل بعملين (زيت على قماش) ومجموعة طباعية (حفر على معدن الزنك). وهنا نريد أن نتحدث عن فاضل الذي نعرفه ونعرف عمله منذ منتصف الثمانينات، فاضل الذي كان يشغل باستمرار في أماكن صغيرة في بيته أو خارجه، ويؤثثها بحميمية وحرارة حتى تكتظ بالاصدقاء. وبعد انقطاعه إلى الدراسة الأكاديمية وانقطاعنا على مشاغلي، لم نلتق إلا لمرات قليلة، لم تكن كافية لنرى ما الذي تبقى من صديقنا فاضل، ثم التقينا ثانية في رفحاء، وكان لقاء خلل الصحراء، وهناك شاهدناه عن قرب، وفي مدة وجيزة ترك بيننا أعمالاً كنا نستعين بها على صحرائنا، وتقودنا إلينا في سيرة باطنية غامضة. ولأن الصحراء لم تكن سوى عبوراتنا الكثيرة، عبرنا كلاً إلى جهته، وها نحن نلتقي بعد سنوات للمرة الثالثة في جهة واحدة، فكيف نرى الآن أعمال صديقنا فاضل نعمة.
في الحقيقة كنا قد شاهدنا أعمالاً لفاضل نعمة نفذها في العراق وحتى وصوله إلى هولندا، تمتد لسبع سنوات وتقترب أكثر من فاضل الذي نعرفه ونعرف إمكاناته. فأعماله التي شارك فيها في معرض الرابطة أو غاليري (INKT) أو معرضه الحالي ولو كانت لم تتخل عن المنطقة التي اشتغل عليها منذ سنوات، حيث رهانة على التشخيص في تعبيرية شفافة، تتخللها تجريدات لشخوصه ومساحاته، إلاّ انها ليست أفضل ما أنتج فاضل نعمة، فهو يحتاج فقط إلى بعض الهدوء ليعلن سيرة أخرى تؤكد ما كان يردده أصدقاؤه، (إنه من الوعود الكبيرة).
|