Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

ليلى في الكابوس
طبيب نفسي لكل مواطن عراقي!!

صلاح حسن

    لكي تحيا في العراق عليك أن تثبت براءتك دائماً.. لأن النظام في العراق ينظر إلى المواطن على انه مجرم دائماً. إن السلطة في العراق لا تتعامل مع المواطن على أنه يعقل ويفكر.. بل من حيث انه كائن يؤمن ويكفر.. يخضع أو يتبع.. أو يرفض ويعارض. من هنا كان "عقل" النظام (عقلاً) اعتقالياً.
   ومن هذا المنطلق تحددت صيغة ثنائية في التعامل بين السلطة- المواطن، المواطن بوصفه مجرماً في الحالة الأولى من هذه الثنائية.. والسلطة بوصفها نظاماً تعسفياً في الحالة الثانية. وكنتيجة أولية لهذه الثنائية فقد تمخضت عنها بنية سوسيولوجية متضادة وممزقة.. تحول بموجبها المواطن إلى آلة صماء معطلة اجتماعياً وسياسياً وفكرياً.. وبالمقابل بقيت السلطة كقوة ضاغطة باتجاه تسخير المواطن وفقاً لمشيئتها.
   وإذا استثنينا البنى الايديولوجية والفكرية، في محاولة للتركيز على البنى السوسيولوجية باعتبارها البؤرة الأكثر إنتاجاً للسياقات والعلاقات، والتي ينصب عليها الضغط المباشر، فاننا سنكتشف خلال ذلك الكثير من العلاقات التي تشير "في أكثر من جانب" إلى البنى الأخرى بوصفها حلقات متصلة في انتاج سلوك اجتماعي معين. وبإلقاء نظرة سريعة على الخط التصاعدي لجريمة مثل جريمة السرقة في العراق الآن، نكتشف مدى تمزق البنية الاجتماعية وتخلخلها (12% قبل احتلال الكويت، أما الآن فتقدر بـ 37%). المعروف أن العراق لا ينشر مثل هذه البيانات. مثال آخر عن انهيار القيم الاجتماعية في العراق هو ارتفاع عدد بيوت الدعارة في بغداد إرتفاعاً لم تعرف له مثيلاً طوال تاريخها. وستبقى هذه النسب تتصاعد باطراد طالما بقيت السلطة متغاضية عنها لأنها لا تشكل مصدر إزعاج سياسي لها، على الرغم من أن هاتين الظاهرتين غير سياسيتين في جانبهما الاخلاقي كسلوك، إلا اننا نجد أن العقوبة التي توقعها السلطة على ممارسي هذا السلوك هي الاعدام فما بال مرتكبي الجرائم السياسية؟؟.
   كتاب (القسوة- محاولة لإفساد ما تبقى من حياتكم) للصحفي عامر بدر حسون.. - دار الوراق للطباعة- دمشق- يسرد قصة سيدة عراقية تعرضت للتعذيب في السجون العراقية بتهمة (الاشتباه) بالارتباط بتنظيم سري. الكتاب سيبدو للقارئ غير العراقي كقصة هتشكوكية خرافية، أما بالنسبة للقارئ العراقي فأنه سيبدو كابوساً أسود يطارده حتى الجحيم. أعترف هنا أنني لا أستطيع أن أتحدث عن هذا الكتاب بسبب حجم الألم الذي تعرضت له هذه السيدة، وكذلك بسبب حجم القسوة التي يختزنها الجلاد، ولكنني سأختار مقطعاً منه أظن أنه يشير إلى جزء بسيط جداً من حالتها.
   بعد تعذيب يفوق الوصف تنقل ليلى إلى أحد المسشفيات وهي مشرفة على الموت، ولا ينسى الشرطي المرافق من تذكيرها بأن أي حديث عن التعذيب عقوبته الاعدام.
(في صالة المرضى كانت المريضة المميزة تمنح الصالة التي هي فيها الكثير من التميز، وتملأ رؤوس المريضات والزوار بأسئلة ليست عابرة. وكانت تملأ بعض ليالي صالة المرضى بكثير من الرعب: أنها الصرخات التي تنطلق من قلب هذا الليل من هذا الجسد المتعب!.
- ليلى في الكابوس!.
تأتي ممرضة أو تنهض مريضة من فراشها وتوقظها:
- لا تخافي يا بنتي.. كابوس وانتهى!!.
   لم تكتف السلطة في العراق بتحويل المواطن إلى آلة صماء، ولم تكتف بتفكيك مفاصل البناء الاجتماعي إلى سياقات شاذة وسلبية، بل فرضت رقابة شديدة اتجاه أي سلوك مهما كان ضئيلاً إبتداء من التعليم الابتدائي وإنتهاء بالبرلمان.. مروراً بالأجهزة القضائية التي تمارس وظيفتها على ضوء حكم وقرارات القائد، جاعلة منها دستوراً وشريعة وقانوناً لا يقبل الخطأ كما لا يقبل النقاش. نحن هنا إزاء معضلتين كبيرتين.. غياب القانون وإنهيار اجتماعي شامل مع بقاء السلطة كقوة ضاغطة، غياب القانون بفساد النظام الاداري: رشاوى.. سرقات.. تزوير.. إنهيار اجتماعي.. جوع.. مرض.. فقر يقود إلى السرقة.. الزنى.. القتل (صدر مؤخراً قرار لا يعاقب بموجبه قاتل زوجته أو أخته غسلاً للعار).
   وبهذه الكيفية وفي ظل دولة اللاقانون حولت السلطة المواطن العراقي إلى كيان أجوف مسلوب الإرادة، متشكك في سلوكه متهم لنفسه، مما رسخ في ذهنه الإحساس بالذنب والسلبية التامة واللامبالاة. وقد نجحت السلطة في الالتفاف على المواطن حينما حولت الصراع بينهما وبينه إلى صراع بين المواطن وأخيه، وقد نتج عن ذلك الصراع ارتفاع نسبة الطلاق إلى مستويات مرعبة، وازداد عدد الشباب المصابين بالكآبة وانهيار القيم الاخلاقية وارتفاع معدل الجريمة، ثم ظاهرة التسول التي لم يعرفها العراق المعاصر.
   ما يحتاجه المواطن العراقي الآن ليس الدواء والغذاء حسب، بل كذلك إلى طبيب نفسي لاستخراج كل العذابات والأحزان والقهر والعقد النفسية التي تراكمت منذ أكثر من ثلاثين عاماً.. المواطن العراقي مثله مثل السيدة ليلى لا يستطيع أن يفرق بين الكابوس والواقع.