الحلم والفنتازيا.. "قراءة في قصتين قصيرتين"
د. علي إبراهيم
تبدأ قصة ( كرنفال النجوم) للقاص عدنان حسين
أحمد من فضاء (دائرة البعثات) حيث نتعرف على(
قاسم النصار) الموظف فيها، ويظهر لنا شخصية
ضجرة، قلقة، يمارس وظيفته برتابة، وهذه
الصفات لا توحي بأي تميزعما هو سائد،
والبداية هذه تجعلنا نتوقع أحداثاً متسلسلة،
غير إن الكاتب ينقلنا إلى تطور جديد مفاجئ في
مسار الشخصية يبدؤه بكلمة " فجأة"، وهذه
"ألـ فجأة" انتقالة حادة في تطور الحدث
لم يمهد لها الكاتب" فجأة يفكر قاسم النصار
جدياً بالهرب إلى المنافي" مختزلاً موقفه
هذا بعبارة غاية في الكثافة "فحتى أسراب
الأيائل التي تمرح في ذاكرته قد هاجمتها
النمور".
بعد ذلك يكشف لنا الكاتب عن خفايا
الشخصية ودوافع القرار، تمنيت لو بدأ سرده من
هذه النقطة والكاتب مخير في اختيار بداية
الحكي. نقف أمام قاسم النصار فنراه متأرجحاً
بين حبه للمدينة وما حصل لها حيث " انقلبت
بين ليلة وضحاها إلى مدينة مشلولة" وبين
عزيمته على الخلاص، ونتعرف على أسباب أخرى
لهجرته؛ هزائمه المتكررة وتهجير حبيبته (مهناز)
مع قسم من سكان (أشنونا) وهي رمز للعراق،
فالمدينة " منذ أقدم الأزمان تضم مختلف
الملل والأجناس " لكن القاص اشتط حين جعل
دافع التهجير هو إرادة الحاكم الذي " أمر
بتنقية النسل حفاظاً على الدماء الزرقاء
لأمعات أشنونا" فدوافع التهجير سياسية قبل
كل شيء، وليس حرصاً على أي من الأقوام الأخرى.
فالتهجير ليس استلاباً وقهراً للناس
المهجرين فقط، بل هو تدمير للتركيبة
الاجتماعية، فهؤلاء الناس صاروا جزءاً من
المدينة تزاوجوا وتفاعلوا مع بعضهم وأصبحت
لهم ذاكرة واحدة لا يمكن أن تتفتت بقرار حاكم.
ووجدنا انسياباً لمشاعر ( قاسم النصار)
اتجاه حبيبته ( مهناز) عبر لغة متسامية،
شفافة، تقترب من الشعر، هي ليست مجرد امرأة بل
فكرة أكبر لعلها تعني الحياة والوطن...
إذاً هذه القصة عالجت موضوعات كثيرة: (
الحب، الوطن والتشبث به، التهجير القسري،
ظلم الحاكم، الهجرة الاضطرارية، رتابة
الحياة...) كل هذه الأفكار امتزجت مع بعضها
بهارمونية جميلة لتشكل هيكلية القصة بأسلوب
تناغم فيه: الغموض والمباشرة، الرمز والواقع،
هي قصة عميقة لها قاع يجعلها ثابتة الدلالات،
واقعية المضمون، رومانسية المشاعر.
وإذا كان( قاسم النصار) يهرب من الوطن،
فأن بطل قصة ( الرجل والقدر أو مقابلة السيد
الرئيس) للقاص كريم حسين يهرب إليه، ولكن
ليس إلى الوطن الذي انتظره اكثر من عشرين سنة
في بلاد الغربة. بعد ان أعياه الانتظار يأخذ
قراره بالعودة للقاء أمه وأبيه، وهما رمزان
للأصل والذكريات ويعنيان أيضاً الحب والحنين
إلى بدايات وجذور الشخصية. يوظف القاص في سرده
لحكايته الحلم والفنتازية، وإذا كان الحلم
كما يصفه فرويد" يمثل رغبة متحققة للنائم،
والحال لا يسع أحداً أيضاً أن ينكر أن غالبية
الرغبات تشرئب بالنظر إلى المستقبل " فأن
قصة كريم حسين هي حلم ينظر إلى مستقبل لم ينضج
بعد، هي رغبة مكبوتة في العودة إلى العراق
سواء بالصورة التي حلم بها أو بواقعه الحالي،
والحلم في كل الأحوال ليس منقطع الجذور عن
خزين العقل الباطني سواء حدث في الماضي أو
سيحدث في المستقبل، سيان أكان جميلاً أم
كابوساً. وفي هذا الإطار فأن
قصة ( الرجل والقدر )
هي حلم ينقلنا إلى الواقع بتفاصيل متخيلة
مستخدماً الفنتازيا في موضوعة الأطفال الذين
يطبخون، والواقع أنهم يطبخون فعلاًا في
أتون كبير اسمه العراق... وفي القصة كثير من
الرموز: التلفاز وقد استخدمه القاص أداة
للتسقيط عبر التضليل والأغراء، وهو الخوف
الشاخص أمام كل من ينوي العودة حتى ولو عاد
متنكراً وعبر طرق غير رسمية، فقد وجد بطل
القصة نفسه مراقباً وكل مغريات التسقيط
جاهزة (الألقاب، دكتور، صحفي )، ظهور
على شاشة التلفاز ومن ثم اللقاء بالسيد
الرئيس. مكان الحدث غير واضح " أنا في مكان
يشبه ملعباً لكرة القدم " وهو دلالة على
تعليب الناس ضمن إطار واحد، لا يتطلعون إلى
شيء" باستثناء الجريدة السمراء " التي لا
يجدون فيها شيئاً فهم " يبحثون في زواياها
عن خبر ضائع".
إن تسمية القصة باسمين - الرجل والقدر
أو مقابلة السيد الرئيس - متأت من أن هذين
الموضوعين مركزيان في الحدث، حيث نكتشف أن ما
خبأه القاص حتى عن بطل حكايته كان رأس طفل بطل
القصة، وهنا نتساءل ؛ ماذا أراد القاص قوله؟
هل الحصار الاقتصادي الأجنبي الذي طال أطفال
العراق، سيطال ولده ليكون ضحية أخرى جديدة؟
وهذا ما يفسر لف القدر بأوراق أجنبية أم قصد
أن العودة من بلدان الغربة ستجعل من أبنائنا
ضحايا، وأن هذا الرجل رجع وهو يحمل مصير ولده
بيده، كلا التفسيرين يقتربان من الحقيقة. لقد
نجح القاص كريم حسين في استخدام السرد وتوظيف
المثيولوجيا، لكن القصة بحاجة إلى تكثيف في
بعض جوانبها.
كلمة أخيرة لابد من قولها هي أن
القاصين عالجا موضوعين في غاية الأهمية،
ويدخلان في صلب الهم العراقي، وربما هذا
ما جعلني أركز على المضمون أكثر من الجوانب
الفنية التي هي الأخرى متوافرة في العملين
وتعكس قدرة الكاتبين وتمكنهما من أدواتهما
الفنية.