الإنسان المقهور أمام قفل الأسئلة المشروعة..
جاسم المطير
في أعمال إبراهيم أحمد دخول جريء إلى أعماق
الإنسان، والإنسان العراقي بالذات. في كل (دخول)
قصصي أو روائي جديد نجده يقوم بعملية (استرجاع
الماضي). وخلال عملية الاسترجاع يثري القارئ
بشيئين:
أولهما الوعي أو التوعية بما حدث.
وثانيهما إدانة لما حدث.
الشيء الأول الذي هو الوعي بما حدث يتأسس بأن
التطور الجاري في ربع قرن أخير من تاريخ بلاده
هو تطور غير طبيعي. بل هو تطور شاذ في حركة "الدايلكتيك".
أما الشيء الثاني فهو أن أستذكار الماضي خلال
استرجاع أحداثه يحدد بالضبط مسؤولية (النظام)
بثنائيته المعروفة: القمع والتهجير.
فهو يجد بلاده (تعرضت في مختلف العصور للغزاة
من حكام البلاد وأبنائها أدلاء وقوادين.
هدموا الأسوار واستباحوا البيوت والأرواح
والحرمات، ورمونا وراء الحدود كالنفايات
فشتتنا في أرجاء الأرض ووزع لحمنا على ذرى
الجبال وقيعان البحار، حيث لا يجتمعان يوماً.
صرنا زوائد مشوهة وفضلات على أرصفة العالم
محشورين في كل بقعة من الدنيا، وزوايا الدول
ومجاهلها. لقد ظلت تحت كل نجمة في السماء
عائلة تنوح على بابل، وقلب منهك ينظم في حبها
الخائب القصائد والأغاني دون جدوى..).
إن إبراهيم أحمد غني عن التعريف ففي
أعمالٍ أربعة أخيرة (طفل السي ان ان، والتيه
في أيس، وأنت تشبه السيد المسيح، ولارا.. زهرة
البراري) يمر بالحاضر بفعل (الماضي) ثم يعود
صعوداً إلى زمن العراقيين المعاصر. إحدى عشر
قصة قصيرة جمعها إبراهيم أحمد في آخر إصدار له
في بداية آب 2001سمّاها (لارا.. زهرة البراري)
أطرها بعناصر فاعلة يمكن الإشارة إلى ثلاثة
منها:
العنصر الأول: هو العنصر العقلي في رؤية
الماضي. فلم يتضمن إبداعه هياج كتاب غاضبين
كما في أعمال قصصية وروائية لعراقيين آخرين.
العنصر الثاني: استخدام رؤيته العقلية في كشف
السلب والإيجاب في الماضي، وفي كشف أسباب
الانحدار والهزائم مواصلاً الحوار حولها
بطريقة إبداعية واعية.
العنصر الثالث: لم يهمل عملية التراكم، إن في
الوعي أم في الفعل، التي تمت في الماضي متصلة
بحاضر العراقيين المتوتر سواء في الداخل أو
الخارج.
جميع العناصر الثلاثة المتقدمة كانت
وسيلته لمحاكمة مشوهي الإنسان وصورته
الاجتماعية. ووسيلته لمحاكمة الرياء السياسي
باعتباره كومة من الادعاءات، فكانت
عرّافة العقل القصصي لدى إبراهيم احمد تتجول
في الأحداث السياسية مكتشفة ما حدث وما يحدث
وما سيحدث للأنسان العراقي في زمانه.
أول قراءتي لمجموعته الجديدة (لارا .. زهرة
البراري) وجـدتُ فيها " نظاماً" و"
تناسقاً" و "انسجاما" لم أجدها من قبل
في أية مجموعة سابقة من مجاميعه. توقفت عند
هذه النقطة للسؤال: هل دخل إبراهيم أحمد لعالم
"الهندسة القصصية"..؟ وواجهني سؤال ثانٍ:
هل ينحو إبراهيم أحمد إلى هندسة القصة على
بناء
القصيدة المنثورة في حواراته..؟
كان السؤالان في الجوهر مدعاة إلى تحسين
رؤيتي النقدية، لطباع كاتب منزوٍ في قرية
سويدية نائية مزيد في حبه من هناك لوطنه
ولبغداد وإنسانهما. قررتُ، في الحال، إعادة
القراءة ثانية مراعياً في دخيلة نفسي ضرورة
إيجاد الصلة بين نظامه وتناسقه، وانسجامه
القصصي وبين مثيلاتها الموجودة في المجتمع
العراقي والكون كله بما فيه الكون السويدي،
أي منفاه.
ليس بالجديد أو المستحدث أن يظهر
إبراهيم أحمد منظماً بارعاً في مزج رومانسية
قصصيته بكثير من واقعية مكتملة بالتاريخ
وتتابع الأحداث. لكن الجديد في أفق قصته
الأولى مثلاً "برج للضحك وبرج للحزن"
أنها تأتي بمزيج حار من فكرة منادية بقداسة
الذكريات الإنسانية، وبقدرتها على الارتقاء
الأخلاقي لبطلي القصة: الزوج والزوجة. ففي
تتبع الأحداث خلال حوار يفيض مرارة لكنه "حوار
الخير" تستقر القصة في وجدان القارئ، خاصة
القارئ العراقي الملم بعذابات القهر الرازحة
على خط استواء الإنسان العراقي بالموت الأبدي
حتى ولو كان حياً.
في كتاب له بعنوان " نصيحة إلى مؤلف"
يسخر الكاتب البريطاني شافتسبري (1671 _ 1713) من
بعض شخصيات واردة في "العهد القديم"
ملخصاً نصيحته إلى الشعراء والكتاب أن
يستلهموا أدبهم من حكايات الناس، ومن خطايا
المجتمع. المسألة الزائدة التي زادها فن
إبراهيم أحمد للنصيحة ذاتها هي حركة
الديالكتيك التي تشعر فيها الإنسان انه مطرود
من مجتمعه بفعل سياسة الدولة القاهرة.
يبدع المؤلف في كشف مقاصده ومقاصد
الزمان ومقاصد خالقي المآسي في بلده، فيحلل
بمفارقات مطلقة أحياناً كيف دخل الإله الجديد
إلى تاريخنا: الخوف هو الإله في هذا الزمان.
كما في قصته (الكلب واللاعبون) حين يحلم البطل
أنه يعود إلى وطنه مسرع الخطى لاهثاً في
الطرقات، يحاول عبثاً الاهتداء إلى داره أو
إلى أي بيت يحميه ويؤويه، فثمة حيوانات كثيرة
مفترسة تجدّ في أثره تريد التهامه وأنفاسها
تلسع رقبته، فجأة من وراء جدار مشروخ يظهر كلب
أسود صغير بفروة ناعمة مجعدة كأنها لخروف
صغير وتلقاه باشاً قائلاً:
ـ لا تخف، إلحقنِ.
حين وجده متردداً قال:
ـ ألم تعرفني..؟ أنا روحك وبينما (أنت) هائم
بجسدك هناك في العالم، (أنا) مقعد وراء
الجدران المتصدعة أحرس البيت وانتظرك منذ ربع
قرن.
في هكذا خيال يجد إبراهيم أحمد أن الغربة عن
الوطن تؤكد التمييز الكيفي بين الفرد ومجتمعه
ووطنه، وبين أحلامه ونظامه الزمني الذي يحوّل
روحه إلى كلب صغير.
الإنسان في أعمال (لارا.. زهرة البراري)
لا تجده كما هو لدى أي كاتب عراقي آخر يلزم
نفسه بقرارات حماسية، أو بالتهرب من مسؤولية
اتخاذ قرار ما. ففي الصورة المتقدمة ينتقل
الإنسان المقهور من المدرج الاجتماعي إلى
مدرج الحيوان اللاهث، وهي طريقة تهكمية نجح
في تصويرها المؤلف قادرة على إيقاظ القارئ لو
أكملها بحسم التدخل في الباطنية الإنسانية
للكلب (روح الإنسان المعذب) وللإنسان الذي
أفقدته دعواه وطناً من دون أن تفقده حب الوطن
المفقود. لكنه يأتي فجأة بتحديد باطني حين يصف:
(كانت هناك مصيبة لا يدركها إلاّ من حطمت قلبه
مصيبة مثلها في هذا الزمن التعيس المشؤوم..).
إذاً هو الزمن صاحب المصيبة. نحن في عالم لا
يمكننا أن نحقق فيه إرادتنا ولا نحقق فيه
وجودنا، إنما يصدر كل شيء يخص وجودنا مـن (الآخر)
المالك لقوة القهر أي كان شكلها. هنا استعارة
من الألماني كارل يسبرز بفلسفته عن (الموقف
النهائي) للإنسان، وهو (الموقف المفروض على
الإنسان الذي لا يجد منه فكاكاً..). وكما يقول
يسبرز فأن الموقف النهائي (سور يصطدم به
الإنسان باستمرار دون أن يستطيع الخروج منه
ولا اقتحامه)..
لنذهب إلى أسوار إبراهيم احمد ففي قصته (وراء
مرآة قديمة) يقول: (خرج من مكتب العمل
ساهماً وتأكد مرة أخرى ان بطالته ستستمر،
وعليه مع أسرته الاعتماد على المساعدة
الاجتماعية مع ما يرافقها من إذلال ومضايقة.
فإن الملاحظ قال ما توقع أن يقوله، وان
استدعاءه له ربما فقط لأنه يجد نشوته حين يردد
أنباء النكبات والمصائب التي تحدث بعيداً عنه.
في البيت عاد يبحث عن مرآته الأثيرة ليس فقط
لينسى حالته التعيسة، بل ليقنع نفسه انه كلما
جلس أمامها يحلق ينفتح له فضاء من الحنين
والبهجة المرتبة، رغم أنها شيئاً فشيئاً تحيط
روحه بذكرياته كحدوة فرس..! فعندما كانت هذه
المرآة صافية كان الزمن عكراً مدلهماً
والحياة غبراء قاتمة. وقد رأى من خلل العتمة
وجهه، وقد علته عينـان متورمتان، إحداهما
مطبقة تماماً وقد أحاطتها كدمة زرقاء إثر
ضربة أخيرة من الحارس القومي، الشاب الأهوج
وهو يقذف به خارج المدرسة التي حولوها إلى
معتقل. عندما أطلقوا سراحه بعد تحـــقيق
وتعذيــب طويلين ...).
بما تقدم ينتهي إبراهيم أحمد إلى القول بأن (الإنسان
الحاكم) هو المسؤول عن قهر (الإنسان المحكوم)
مستبعداً تماماً مسؤولية الأفكار
والأيديولوجيا.
فالباطل الذي أوجد الأسوار هو:
* البطالة. (من صنع الحاكم).
* الإذلال والمضايقة. (من صنع أجهزة الحاكم).
* النكبات والمصائب. (ناتج زمان الحاكم).
* الحياة القاتمة. (مظهر سياسات الحاكم ).
* العتمة. (لا بصيرة الحاكم).
* الحارس القومي. (سوبرمان استثنائي بيد
الحاكم).
* التحقيق والتعذيب. (أسلوب الحاكم).
* تحويل المدرسة إلى معتقل. (جهالة الحاكم).
من أين أتى الضوء لإبراهيم أحمد كي
يرى ثغرة واحدة في تلك الأسوار يستطيع منها
الإنسان المقهور أن ينفذ بجلده..؟.
فنياً تناول إبراهيم نافذته القصصية الناجحة
عبر ثلاثة أساليب فــي المحاكاة:
1) استعمال مخيلة واقعية.
2) حوار بسيط في مفردته وترابطه قادر على
العرض والرصد.
3) مساءلة الزمن والحاكم عبر الأسلوبين
السابقين. بذلك، خاصة بقدرته الفائقة على
الفصل بين الخيوط الزائفة وخيوط الفضائل في
النسيج العراقي، تمكن من إدانة زمان الحاكم
العراقي وإحصاء جرائمه وعدم إغفاله نتائج
الحروب مع الكرد. ظلت دلالات أساليبه موصلة
إياه إلى نقاط مهمة في سياق القص المتأني،
الذي كانت بذرته كامنة في عملية استرجاع
الماضي لشحذ وعي القارئ، للتوثب والنهوض
مشكلاً ومدبجاً شهادة مواكبة للعصر العراقي
المرتهن بيد غاشمة أقفلت أبواب الأسئلة
المشروعة منذ ربع قـرن وأكثر..
(في المرآة الصغيرة الرثة رأى سماء العراق في
آخر يوم له هناك حيث غادرها قبل قرابة عشرين
عاماً..). فأصبحت هنكاريا والسويد وهولندا
وألمانيا ملاذاً آمناً لأنسان العراق
المقهور.
هناك في تلك المدن الثلجية والمخضرة
صار المقهور العراقي تلوح له نهارات متألقة
جميلة بهيجة، لكن من دون لمعان ضوء القمر على
سطح دجلة والفرات. ولم تخلو سلاسل الذكرى
من استرجاع الماضي، هماً وحباً، في قصته (لارا..)
التي تأطر تسلسلها بوعي إبداعي فائق الصياغة.
حيث يصرخ الصوت: لارا.. زهرة البراري أين أنت
في زمن الخرائب والموت..؟.
ثم يستحوذ سؤال: ما هذا الذي يجري الآن..؟
فهل هو سؤال النهضة أم الشك يا إبراهيم أحمد..؟