الفنان التشكيلي علي النجار
غيمة منفردة في فضاءات التشكيل العراقي
ستار كاووش
عند رسم اللوحة يدخل الفنان عملياً بواسطة
أدواته وتقنياته من لون وخط وضوء وكتلة وبناء
ومعالجة سطوح، ونفسياً بواسطة إنفعالاته
وعواطفه وحساسيته، ويعتمد استعمال الأدوات
على انفعالاته لحظة الرسم، وسواء أكانت هذه
الإنفعالات والعواطف قد أثَّرت على الفنان
بشكل واضح وكبير ومباشر أم كانت عابرة
ولحظوية، فهي تتحكم بشكل يكاد يكون كاملاً في
صناعة العمل الفني وإنهائه بالصيغة التي
نراها في صالة العرض أو المتحف أو أي مكان آخر.
عندها تبدأ مسألة أخرى، وهي الخيط الذي يربط
المشاهد باللوحة مدى سمكه ومتانته، وهذا
يعتمد بدرجة كبيرة على استعدادات المشاهد.
ومع لوحات الفنان علي النجار يحتاج
المشاهد كذلك إلى تجربة جمالية جيدة، وخيال
غير مؤطر لتحديد أو تقليل المسافة بينه وبين
اللوحة، والدخول إلى عالمها وتحسس تقنياتها،
ومعرفة مناخاتها، ومحاولة اللحاق بخيال
الفنان الذي يتفجر ويتناسل داخل اللوحة،
فأشكال علي النجار لا تكشف عن نفسها بسهولة
ونقف بحيرة أمامها، لأننا لا نستطيع أن نحيل
أغلبها إلى أشكال محددة، هل هي أقدام كاذبة أم
سحب من الحزن الملون؟.. فقاعات على هيئة أجرام
تطير في فضاء غير محدود، أم مطر على شكل
كائنات غريبة هبطت من أعلى اللوحة؟ حيوانات
ممسوخة أم أعماق بحر يموج بحطام وتهشمات تلك
الحيوانات؟.. وغالباً ما تأخذ الكتل وايقاعات
الألوان إضافة إلى الدراما التي تغطيها أبعاد
رمزية واضحة. فإذا تأملنا إحدى لوحاته (1)
المميزة وبحجم له سطوته (120×120سم) نرى أن مناخ
اللوحة العام هو الأحمر ودرجاته، وهناك كتلة
زرقاء "تضاد اللون الأحمر" تمثل طائراً
أزرق هلامياً متوثباً غير متضح الملامح ينقر
صدر رجل هزيل مطرق الرأس مبقع باللون الأحمر
والأبيض وما بينهما من درجات، وهو يمد يده
الوحيدة باتجاه الطائر ليبعده عن صدره
الممزق، أو ربما ليحثه على المضي برسم
الفجيعة على صدره، وعينه الأمامية على وجهه
الجانبي تمعن النظر بهدوء إلى ما يفعله هذا
الطائر.
لدى علي النجار يكون إنشاء اللوحة في
الغالب حراً ومفتوحاً من جوانب اللوحة
الأربعة، وبذلك يمارس حريته الكاملة وبرقشات
متناثرة، وليست هناك مساحة محددة تتحرك فيها
هذه الكائنات، ولا توازنات تفرضها الطريقة
التقليدية في الرسم. وحين نمعن النظر في
التقنية التي يعمل عليها نرى أن كل أجزاء
اللوحة مشغولة بعناية، وليس هناك مكان
للمصادفة البحت، حتى البياضات التي يتركها
أحياناً في بعض الأجزاء تكون جزءاً من نسيج
اللوحة، وهنا يجب أن نعرف بأن علي النجار
يعتمد في تقنيته على البقع التي يشكل بها
عَمله الفني، بقع من الأزرق التركواز على
أزرق من درجة أخرى (الكوبالت) (2) أو بقع
بنفسجية على أرضية حمراء أو زرقاء، وأحياناً
يضع كتلة خضراء أزاء أرضية حمراء مفتوحة
تحيطها بعض النقاط الصغيرة من الجوانب، لأجل
تناغم وموازنة معينة. ويفضل علي النجار
دائماً أن يكون اللون الأحمر والأزرق على سطح
(ملونته) (3) ومع تدرجاتهما وما ينتج من مناخات
بنفسجية لا تحصى تظهر لنا كائناته الغريبة،
تلك الكائنات التي تملك سطوة مهيبة تجعلك
تتعاطف معها وتخشاها في آن واحد. سحر لا حدود
له ينبعث من داخل اللوحات، كمن يكون داخل كهف
مظلم وفجأة تداهمه فضاءات ملونة، وكتل
بنفسجية معلقة هنا أو هناك. سحب وكائنات
ممسوخة خلف غيمات قرمزية أو ممزوجة معها،
وكأن اللوحة صندوق خرافات فتح بغتة على
كائنات ملونة.
يعمل علي النجار، هذا الفنان الستيني
في منطقة خاصة جداً، ولا يشبه أي فنان عراقي
آخر. فالغرائبية في أعماله وإيقاعات اللون
السحرية تجعلنا لا نستطيع الإمساك بمرجعيات
محددة، ولا يمكننا كذلك وضع أعماله ضمن اتجاه
بعينه، فهل أعماله سوريالية أم تعبيرية؟..
واقعية سحرية أم بدائية؟.. تجريدية أم تجريدية
تعبيرية؟.. أعتقد أن كل ذلك موجود في لوحاته
بشكل من الأشكال.
في السنوات الأخيرة بدأت تختفي بعض
أشكاله الأثيرة التي كانت تظهر على سطوحه،
وأخذت أعماله تتجه إلى منطقة فيها نوع من
التجريد وبألوان غنية تشعر بأنها قد خرجت من
أنبوب الألوان مباشرة وبتقنية تميل إلى لطخة
الفرشاة العريضة والعنيفة وبانفعال واضح. فهل
يحاول هنا أن يقلب أو يحرّف لنا ملاحظة
ديلاكروا (عندما تأتي الخبرة تذوي القوة)؟.
لكنه بكل حال لم يعلن قطيعته الكاملة مع
أعماله السابقة، بل كانت هناك دائماً
امتدادات لها. ومثلما دفع حريته في استعمال
اللون إلى أقصاها، منح كائناته حريتها كذلك
وغادرت اللوحة مخلفة وراءها هذه الأجواء التي
نراها في أعماله الأخيرة، حيث لم تكن الأشكال
تمثل هدفه، بل التقنية ولطخة وآثار الفرشاة
وبناء اللوحة وتسطيحها - المقصود - هو فحوى
أعماله.
نرى ذلك بوضوح في معالجة السطوح
واستعمال خامات جديدة أخرى تعبر عن عاطفته،
وانفعالاته وحالته النفسية، كقطع الكولاج
التي يلصقها أو يخيطها على سطح اللوحة، كذلك
أعماله المنفذة على الورق، حيث تنتشر الأحبار
مبقعة ومتداخلة بعضها مع بعض تحمل شحنة
عاطفية عالية جداً مكونة نسيج العمل الفني
بتجريدية واضحة، بعد أن يضع على ملونته عدداً
أقل من الألوان "بالنسبة لبعض الأعمال التي
نفذها على الورق". لكن لماذا بدأت بعض
التغيرات تظهر على أعماله في السنوات
الأخيرة؟
وبمعنى آخر لماذا اتجه أسلوبه
وتقنياته إلى مساحة من التجريد؟.. هل هي محطة
استرخاء وصفاء يمر بها الفنان، أم هو شيء من
التمرد على أسلوب قديم أم هو نوع من "التحدي
والاستجابة" كما يقول توينبي، أم بسبب
ممارسته الرسم في بقعة خارج المكان الذي
تعوَّده وخَبره، وقد ابتعد عن كائناته
السابقة وخيالاته أو ابتعدت هي عنه بحيث لم
يبق منها غير تجريدات ضبابية المعالم؟.
أعتقد بأن تغيير المكان "إقامته"
بكل ما يحمله من مناخات ومؤثرات هو الذي جعل
هذا الفنان الحساس المتمرس يتوغل في مساحة
جديدة أخرى بحثاً عن الفردوس، أو ابتعاداً
عنه (4) وقد حدث معه ذلك في سنوات بعيدة، وكيف
تغيرت تصوراته بعد عودته من إحدى سفراته
القديمة، ألم يقل ماركيز (في كل رواية جديدة
كأني أتعلم الكتابة من جديد). فهل يبدأ علي
النجار الرسم من جديد؟.. وبدلاً من الاجابة عن
سؤال كهذا أقول أن علي النجار سيبقى غيمة
منفردة في فضاءات الفن التشكيلي العراقي.
1- عرضت هذه اللوحة بمعرضه الشخصي في بغداد
عام 1991.
2- أزرق الكوبالت هي صبغة زرقاء مخضرة تتألف من
أكسيد الكوبالت وأكسيد الألمنيوم.
3- اللوح الذي يمزج عليه الرسام ألوانه.
4- مثلما ذهب غوغان إلى تاهيتي وشاغال إلى
باريس ووليم دي كوننغ إلى أمريكا.