القضية الكردية في العراق
د. جبار قادر
كثيراً ما يشار الى القضية أو المشكلة تحت
عنوان المسألة الكردية. أعتقد أن هذا المصطلح
هو تبسيط لقضية قومية متأزمة، و تشكل واحدة من
أكثر المشاكل القومية حدة و تأزما في عصرنا
الحالي .
لايمكن برأيي فهم أبعاد الوضع الكردي
والمشكلة الكردية في دول الشرق الأدنى، التي
تقاسمت السيادة على كوردستان بعد الحرب
العالمية الأولى، دون دراستها في إطارها
التاريخي .
هناك قصور واضح في فهم تاريخ المشكلة
الكردية، التي تعود بدايات ظهورها على مسرح
أحداث الشرق الأدنى الى أواخر القرن الثامن
عشر، والعقود الأولى من القرن التاسع عشر،
عندما اكتشفت الدولة العثمانية تخلفها عن
أوروبا، وقررت القيام بمجموعة من الإجراءات
أصطلح على تسميتها بالتنظيمات. وكان الهدف
الأساس من تلك الأجراءات إطالة عمر الدولة،
وتحكيم سيطرة الباب العالي على أطراف
الأمبراطورية الواسعة. وقد لامس هذا التوجه
بالذات الوضع الكردي في الصميم عندما قرر
الباب العالي التخلي عن سياساته السابقة في
كوردستان العثمانية، والتي تمثلت ومنذ معركة
جالديران عام 1514 بترك مهام إدارة الشؤون
الداخلية الكردية للزعماء القبليين المحليين
الكرد وعدم التدخل المباشر فيها.
ومن المعروف أن تلك السياسة أفرزت
وعلى مدى ثلاثة قرون حالة جد معقدة في
كوردستان . فمن جانب نأت بالمجتمع الكردي من
مؤثرات العثمنة والتتريك، وبخاصة إذا أخذنا
بنظر الإعتبار أن كوردستان كانت أقرب المناطق
جغرافياً الى مواطن تركز وإنتشار العنصر
التركي في الدولة العثمانية. وحافظت بذلك على
بقاء العنصر الكردي سائداً في مواطنه
التاريخية عند تخوم الباب العالي . ولكن تلك
السياسة ساهمت من جانب آخر والى حد كبير في
ترسيخ حالة التفتت والتشرذم القبليين،
وتقوية مراكز ونفوذ الزعماء المحليين
القبليين الكرد. تلك الظاهرة التي ما زال
المجتمع الكردي يعاني من آثارها المدمرة
حتى يومنا هذا، لا على الصعيد الإجتماعي فقط،
بل على الصعيد السياسي أيضاً.
وقدر تعلق الأمر بالكرد شكل التخطيط
للسيطرة على جميع مناطق كوردستان، وإدارتها
بصورة مباشرة من قبل ولاة وحكام يتم تعيينهم
من قبل الباب العالي، بدلاً من الزعماء
القبليين المحليين حلقة مهمة في السياسة
الجديدة للدولة العثمانية. وتمثل رد فعل
الزعامات القبلية والإقطاعية الكردية في
الإنتظار والدفاع عند تخوم الإمارات الكردية
التي سقطت الواحدة تلو الأخرى. وبحلول منتصف
القرن التاسع عشر زالت آخرها من الوجود وهي
الإمارة البابانية في منطقة السليمانية.
هكذا تمثلت المشكلة الكردية في الربع
الأول من تاريخها الطويل بمحاولات الدولة
العثمانية لفرض سيطرتها المباشرة على
كوردستان، ودفاع الإمارات الكردية المستميت
عن نفسها بوجه القوات العثمانية. ولم يكن في
إمكان تلك الإمارات المحلية الضعيفة و
المتصارعة فيما بينها أن تكسب هذا الصراع غير
المتكافئ أصلاً. ومن الضروري أن نشير الى
حقيقة وجود قوى متميزة بين تلك الإمارات، كان
يمكن لها أن تشكل نواة الدولة القونية
الكردية الحديثة، لو بقيت على قيد الحياة مدة
أطول من الزمن. ولكن وكما يقال لا مكان لـ"لو"
في التاريخ.
وفي النصف الثاني من القرن الماضي
انبرت الطرق الصوفية كالنقشبندية والقادرية،
وبدعم مباشر في الغالب من الباب العالي،
وبخاصة من السلطان عبدالحميد الثاني لملء
الفراغ الناجم عن سقوط الأمارات الكردية. إلا
أن تلك العلاقة المميزة لم تمنع خروج ممثلين
بارزين لهذه الطرق على الدولة العثمانية.
وأبرز مثال على ذلك إنتفاضة عام 1880 التي
تزعمها الشيخ عبيدالله الشمزيني ( النهري )
والتي شملت كلا الجزئين الإيراني والعثماني
من كوردستان. ويتفق الكتاب الكرد والأجانب
على اعتبارها نموذجاً جديداً في تاريخ الحركة
القومية الكردية من حيث الإعداد لها ( عقد
سلسة من الإجتماعات للزعماء الكرد الذين
تباحثوا بصورة موسعة حول أهداف الإنتفاضة
وتفاصيلها وذلك قبيل إندلاعها) ومن حيث
الشعارات التي رفعتها (طالبت زعامة الحركة
بإقامة دولة كردية تضم كلا جزئي كوردستان )
وسعة حجم المشاركين فيها (تشير المصادر
المختلفة الى أرقام تتراوح بين 50 الف و80 ألف
مقاتل) والمداخلات الدولية فيها وحولها (طلب
إيران من روسيا وبريطانيا المساعدة في القضاء
على الحركة، وتعاون إيران والدولة
العثمانية بمباركة ودعم مباشرين من
بريطانيا و روسيا في قمعها) إضافة الى محاولات
توجيهها وجهة بعيدة عن أهدافها الحقيقية (محاولة
توجيهها لمحاربة العناصر المسيحية في
كوردستان و ما والاها) .
أما على صعيد العاصمة والمراكز
العثمانية الكبرى، فقد كانت الفئة المتعلمة
والمتعثمنة الكردية منغمسة في إدارات الدولة
ومؤسساتها (تضم قائمة الشخصيات المهمة في
الدولة العثمانية عدداً لابأس بها من الكرد
الذين تسنموا العديد من المناصب الرفيعة
كوزارة الخارجية والأوقاف ورئاسة مجلس شورى
الدولة، وشيخ الإسلام فضلاً عن كبير من ولاة
الأقاليم والسفراء وقادة الجيش وغيرها) من
جهة، وحركة المعارضة السياسية من جهة أخرى.
فقد كان إثنان من مؤسسي "جمعية الإتحاد
العثماني " ، كرديين ونقصد بهما عبدالله
جودت واسحاق سكوتي . وكانت هذه الجمعية التي
ضمت في صفوفها ممثلي القوميات غير التركية
تهدف أساساً الى إقامة نوع مما يمكن أن نسميه
بالدولة الفدرالية، من إتحاد الأعراق
والأجناس والثقافات والديانات المختلفة على
أسس جديدة تتقاطع كلياً مع الأسس القسرية
التي كانت تعتمدها الدولة العثمانية.
ومع سيطرة العناصر القومية الشوفينية
التركية إبتعدت الجمعية التي أصبحت تدعى "جمعية
الإتحاد والترقي" عن الأهداف التي شكلت من
أجلها، وأخذت تدعو صراحة الى تتريك العناصر
غير التركية، وتنحو منحاً إستبدادياً.
وإعتراضاً على ذلك ترك ممثلو الكرد وغيرهم من
العناصر غير التركية صفوفها، وتحولوا الى
منتقدين لها بل وكرس بعضهم حياته كلها
لمعارضتها كعبدالله جودت وغيره.
ويمكن الحديث عن معارضين سياسيين كرد
من بين الفئة المتنورة لحكم السلطان
عبدالحميد الإستبدادي منذ العقد الأخير من
القرن الماضي. تجمع بعضهم حول أول جريدة كردية
حملت إسم (كوردستان) في القاهرة، والتي نشر
العدد الأول منها في 22 نيسان عام 1898. وإنتشر
البعض الآخر في بعض العواصم الأوروبية كباريس
وجنيف وفيينا. أصدر هؤلاء بعض البيانات التي
كانت تشجب سياسات الباب العالي في كوردستان
وغيرها. وكان جل هؤلاء من أبناء الطبقة
الأرستقراطية الكردية، التي درست في إسطنبول
وتأثرت بالفكر السياسي الأوربي، وبالأخص
أفكار التنوير والثورة الفرنسية. ويمكننا
القول بأن تأثير هذه الفئة الصغيرة وأفكارها
في كوردستان نفسها كان موازياً للصفر تقريباً.
مع قيام ثورة الإتحاديين أظهرت الفئة
المتعلمة الكردية نشاطاً سياسياً وثقافياً
ملحوظاً في العاصمة إسطنبول، وبعض المدن
الكردية الكبرى. فقد تشكلت خلال الفترة التي
أعقبت عام 1908 وحتى إندلاع الحرب العالمية
الأولى بعض الجمعيات الكردية مثل( جمعية
التعاون والترقي الكردي) وجمعيات للطلبة ونشر
المعارف الكردية فضلاً عن إصدار صحيفة ومجلة
كرديتين. من المؤسف أن (ربيع الحرية ) كان
قصيراً جداً في الدولة العثمانية، التي سرعان
ما سيطر على الأمور فيها الثلاثي الطوراني
المستبد ( جمال - طلعت - أنور ) وأسكتت كل الأصوت
الأخرى. منعت سلطات الإتحاد والترقي الجمعيات
الكردية من ممارسة نشاطاتها واعتبرت إصدار
الصحف والمجلات باللغة الكردية وغيرها (
مؤامرة تستهدف النيل من وحدة الأمة العثمانية).
جاء اندلاع الحرب العالمية الأولى ليقضي على
كل أثر للنشاط السياسي والثقافي الكردي، فقد
سيق الناشطين الكرد والذي كان جلهم من خريجي
المدارس العسكرية الى جبهات القتال، كما أن
إعلان الجهاد المقدس من قبل السلطان العثماني
تسبب في تخبط الزعامات القبلية الكردية
وتوجيه إستياء الكرد وجهة لاناقة لهم فيها
ولا جمل. وكانت آثار تلك الحرب مدمرة بالنسبة
لكوردستان وشعبها. فقد شهدت أراضيها معارك
شرسة بين الجيوش العثمانية والروسية التي
تناوبت السيطرة على بعض مناطقها مرات عديدة
خلال سنوات الحرب. كما أن الجيوش البريطانية
والى حد أقل الفرنسية وبعد معارك أقل شراسة
احتلت بعض مناطق كوردستان الشمالية و
الجنوبية.
ويورد المؤرخ الكردي الشهير محمد أمين زكي
والذي كان آنذاك ضابطاً كبيراً في الجيش
العثماني أرقاماً مرعبة عن خسائر الكرد
البشرية والمادية خلال تلك الحرب. ولم تكن
خسائر الكرد بسبب سياسات الإتحاديين بأقل من
خسائرهم نتيجة للحملات العسكرية الروسية
والأنجليزية والفرنسية، فقد كان الجيش
العثماني يتصرف في كوردستان كأسوأ جيش إحتلال
. كما شهدت سنوات الحرب بعض التحركات الكردية
المبعثرة التي لم تؤثر بصورة جدية على مسار
الأحداث.
شهدت الفترة التي أعقبت هزيمة الدولة
العثمانية وانتهاء الحرب العالمية الأولى
أحداثاً كبيرة تركت بصماتها على التطور
اللاحق للقضية الكردية، والحركة القومية
الكردية. فقد تجاذبت الزعامات الكردية وعود
الحلفاء خلال الحرب للشعوب الخاضعة للسيطرة
التركية، وبنود الرئيس الأمريكي الأربعة عشر
من ناحية ووعود حكومة السلطان حول إقامة
إدارة ذاتية كردية في إطار الدولة العثمانية،
وأخيراً خطابات مصطفى كمال النارية عن (أخوة
الدين المستعدين دائماً لدفع حياتهم ثمناً
لرفعة الوطن والدين) وضرورة تحقيق مطالبهم
القومية والوطنية بعد (تحرير الوطن من المحتل
الأجنبي ) من ناحية أخرى.
ساهمت هذه الوعود التي كانت تتقاطع مع
بعضها على تعميق الخلافات القائمة أصلاً في
صفوف الزعامات الكردية، لتميز أربعة تيارات
رئيسية: تيار ضم العناصر الشابة المتحمسة
في الحركة القومية الكردية دعا الى استقلال
كوردستان، وإقامة الدولة الكردية المستقلة.
فيما كان التيار الثاني ينادي بالقبول بفكرة
الإدارة الذاتية في إطار الدولة العثمانية،
وقد انضوى تحت خيمة هذا التجمع مجموعة من
رجالات الكرد الشهيرة التي تسنمت أرفع
المناصب في الدولة العثمانية، ولم ترغب في
الإنفصام النهائي عن الباب العالي. أما
التيار الثالث فكان يدعو الى إقامة دولة
كردية تحت وصاية بريطانية. وكان هناك جناح
ضعيف يضم بعض الشخصيات المشهورة كشريف باشا
الذي مثل الكرد في مؤتمر السلام بباريس، يدعو
الى إقامة دولة كردية تحت وصاية إيران. ومن
المفيد أن نشير هنا أن نشاط النخبة السياسية
الكردية تركز في العاصمة إسطنبول، ولم تكن
شعاراتها وخطابها السياسي بل وحتى العديد من
أعضائها معروفين في كوردستان نفسها، حيث كانت
الزعامات القبلية والإقطاعية المحلية تسيطر
على مقدرات الحركة الكردية فيها.
كما أن قيام الثورة البلشفية في روسيا
وانسحاب روسيا من المعاهدات والأتفاقيات
المعقودة لتقاسم ممتلكات الدولة العثمانية،
والتعاون الكمالي البلشفي وغيرها من الأحداث
أدت الى تغييرات كبرى في استراتيجيات الدول
العظمى، وبخاصة بريطانيا، الأمر الذي كان له
آثار مدمرة على مستقبل كوردستان والحركة
القومية الكردية. خلاصة القول لابد من
الأعتراف بأن الكرد بعيد الحرب العالمية
الأولى كانوا يفتقرون الى مشروع سياسي موحد،
وقيادة مبادرة وبعيدة النظر تستطيع توحيد
صفوفهم، وتقودهم نحو تحقيق أهدافهم. وقد شخصت
صانعة الملوك في الشرق الأوسط المس بيل في
بداية العشرينات من القرن الماضي هذا القصور
عند الكرد بقولها( الكرد أمة تفتقر الى قيادة).
سوف أحدد المتبقي من مداخلاتي بتطورات
المشكلة الكردية في العراق فقط رغم انها، اي
المشكلة تمس ثلاث دول اخرى في المنطقة وهي
تركيا وايران وسوريا. وأود أن أشير بعجالة الى
بعض النقاط العامة تاركاً الدخول في التفاصيل
الى مناقشات الحضور. من الضروري ان نشير
هنا الى مسألة إلحاق كوردستان الجنوبية
بالعراق، والتي شكلت واحدة من أعقد مشاكل ما
بعد الحرب العالمية الأولى في منطقة الشرق
الأدنى، وعرفت بمشكلة ولاية الموصل، والتي لم
تكن في جوهرها سوى تقرير مصير جنوب كوردستان.
لفهم الظروف التاريخية التي أحاطت بتقرير
مصير ولاية الموصل لابد من الأشارة الى
النقاط التالية:
1. لم تنظر معاهدة سايكس - بيكو الى
كوردستان الجنوبية كجزء من العراق، لذلك
جرى تخصيصها لفرنسا، ولكن فيما بعد ونتيجة
للتطورات السياسية الكبرى التي شهدتها روسيا
والقفقاس وتركيا، والتغييرات التي طرأت على
الأستراتيجية البريطانية في الشرق الأدنى،
جرى اقناع الفرنسيين للتخلي عنها لصالح
الأنجليز.
2. أعلنت الحكومة العراقية و ((حليفتها))
بريطانيا عام 1922 في بيان مشترك حق الكرد في
تشكيل حكومة محلية ضمن الدولة العراقية، ولكن
بريطانيا والحكومة العراقية تراجعتا عن
تنفيذ هذا الوعد، بحجة عدم اتفاق الجماعات
الكردية فيما بينها على صيغة الحكومة و شكل
العلاقة مع العراق .
3. كما أكدت الحكومة العراقية عقب الحاق
الموصل بالعراق، ونتيجة لتوصيات مجلس عصبة
الأمم في ديسمبر 1925 ومن خلال الضمانات التي
قدمتها الدولة المنتدبة بريطانيا الى عصبة
الأمم، اعترافها ببعض الحقوق الكردية كتعيين
الموظفين الكرد واعتبار اللغة الكردية لغة
للتدريس والمحاكم في كوردستان.
ولكن الحكومة العراقية بدأت ومنذ وقت
مبكر تتنصل من تنفيذ هذه الوعود، وقد ظهر ذلك
بوضوح في بيان الحكومة عشية قبولها في
عصبة الأمم الذي خلى من أية اشارة بشأن الحقوق
القومية الكردية. أي ان حكومة فيصل الأول كانت
تنثر الوعود على الكرد، عندما كانت بحاجة الى
دعمهم لتقرير مصير الموصل لأهمية الموقف
الكردي، كونهم كانوا يشكلون ثلاثة أرباع سكان
الولاية، رغم ان القرار الأخير كان بيد
بريطانيا، ولكنها وبعدما
ضمنت إلحاق ولاية الموصل بدأت تتراجع شيئا
فشيئاً عن وعودها السابقة، وتنتهج سياسة أدت
الى تضيق الخناق على الكرد، وتهميش دورهم في
الحياة السياسية والأقتصادية والأدارية في
العراق. قدم الكرد المذكرات الى بريطانيا
وعصبة الأمم والدول الكبرى ضد هذه السياسة،
ولكن وجهة النظر البريطانية التي كانت
تتضمنها التقارير الدورية الى مجلس عصبة
الأمم كانت تؤخذ في النهاية، ويصل الكرد
الى حالة من اليأس لايجدون من مفر سوى اللجوء
الى الأنتفاضات والحركات المسلحة، والتي كان
اختلال موازين القوى لصالح بريطانيا و(حليفتها)
الحكومة العراقية يقرر مصيرها دائماً، و تسبب
تلك الحركات في إلحاق الأذى بالكرد قبل غيرهم.
حاول الملك فيصل بمباركة الإنجليز أن
يجعل من الكرد مواطنين عراقيين مخلصين للكيان
العراقي، دون أن يمنحهم أية حقوق قومية. ولكنه
كان يحاول قدر الأمكان الإبتعاد عن مايستفز
مشاعرهم القومية. ولكن ومنذ الثلاثينات ومع
تنامي النزعة القومية العربية في العراق،
والتي كانت تتخذ في تلك المرحلة النازية
الألمانية والفاشية الأيطالية نماذج لها،
أخذت الدعوات تزداد لجعل العراق دولة الأمة
الواحدة، وفرض اللغة العربية على الجميع بل
وضرورة تبني سياسة صهر كل العناصر والمكونات
الأثنية العراقية المختلفة في بودقة الأمة
العربية. وهكذا أصبحنا نسمع بأن الشعب
العراقي يشكل جزءاً من الأمة العربية، رغم ان
هذه الدعوة كانت تعني إلغاء ثلث سكان العراق
من الكرد والآشوريين والكلدان و التركمان
وغيرهم. كما ان مقولة ان العراق يشكل جزءاً من
الوطن العربي يعني شيئاً واحداً و هو اعتبار
الكرد مهاجرين يسكنون الأرض العربية، رغم ان
حقائق التاريخ المعروفة لدى الجميع تناقض تلك
المقولة تماماً. وهكذا مضى النصف الأول من
القرن العشرين بين اعتراف ببعض الحقوق
الثقافية واللغوية للكرد، ونكوص عنها الى
الدعوة الصريحة بإنكار الكرد كقومية ذات
خصائص متميزة. رافق ذلك قمع عسكري لجميع
المحاولات الكردية كحركات الشيخ محمود
الحفيد والشيخ أحمد البارزاني ، ومن ثم
الملا مصطفى البارزاني.
شهدت الحركة الكردية نفسها تغييرات
مهمة خلال تلك العقود، فمن شعار النضال من أجل
اقامة الدولة الكردية المستقلة حتى قيام
الحرب العالمية الثانية، وقيادة الحركة من
قبل زعماء دينيين وعشائريين، أصبح شعار حل
المشكلة الكردية في إطار الدول المتقاسمة
لكوردستان يسود شيئاً فشيئاً على الخطاب
السياسي الكردي. من هنا ظهر شعار الحكم الذاتي
وتنامى دور الأحزاب السياسية ( كحزب هيوا،
الحزب الديمقراطي الكوردستاني ، الحزب
الشيوعي العراقي ) في الحركة القومية الكردية.
كما بدأت المشاركة الكردية في الحركة الوطنية
العراقية المعادية للسيطرة البريطانية على
البلاد تتنامى في الأربعينات والخمسينات من
القرن الماضي.
إعتقد الكثيرون ان ثورة 14 تموز 1958
ستشكل حداً فاصلاً بين سياستين: سياسة ممارسة
المظالم بحق الكرد وعدم الإعتراف بحقوقهم
وأخرى تقر بحقوقهم القومية، وتعيد صياغة هوية
الدولة العراقية بصورة تقر بواقع كون العراق
دولة متعددة القوميات. وكانت هناك مؤشرات
كثيرة تدعم مثل هذا التوجه. فقد أقر النظام
الجديد شراكة العرب والكرد في العراق، وذلك
في المادة الثالثة من الدستور المؤقت الذي
بقي مع الأسف مؤقتاً حتى يومنا هذا، رغم ان
المادة الثانية من نفس الدستور كانت تنسخ
المادة الثالثة، اذ نصت على ان العراق جزء من
الوطن العربي. فشلت محاولة إعادة تشكيل
الهوية القانونية والسياسية للدولة
العراقية، التي تعرض زعيمها الذي كان يمثل
برأيي تيار الوطنية العراقية الى هجوم شرس من
العروبيين الذين وصموه بالشعوبية وخيانة
قضية الوحدة العربية وغيرها من التهم الجاهزة.
وكان هذا الفشل وتنامي الطروحات القومية
الشوفينية وراء تأزم المشكلة الكردية،
واندلاع الحركة المسلحة في كوردستان العراق
في 11 أيلول 1961، لتدخل البلاد دوامة العنف
والقسوة التي ما زالت مستمرة حتى يومنا
هذا.
لانغالي اذا قلنا ان أحد الأسباب
الرئيسية في جميع النكبات التي حلت بالعراق
على الأصعدة السياسية، والأقتصادية،
والاجتماعية، والثقافية، هو بقاء المشكلة
الكردية عالقة ودون حل، فلولا حرب قاسم في
كوردستان، لما تمكن البعثيون من القفز الى
السلطة في 8 شباط 1963 ولكان من الصعب عليهم ان
يعودوا الى الحكم في 17 تموز 1968 ولما عقدت
اتفاقية الجزائر بين شاه ايران وصدام حصين
لتلغى بعد قيام ثورة الشعوب الأيرانية، وتبدأ
الحرب العراقية الأيرانية والتي تسببت
بدورها في أزمة اقتصادية وسياسية خانقة
للنظام حاول الخروج منها من القيام بمغامرة
مدمرة، أدت الى حلول كارثة بالعراق ما زالت
تسبب آلام
وعذابات لاحدود لها للسكان المدنيين في
العراق. كان من الممكن اعتبار اتفاقية 11 آذار
1970 محاولة جدية لحل المشكلة الكردية في
العراق، لولا سوء النية لدى النظام
والقراءة الخاطئة للأحداث، وتوازن القوى من
قبل القوى السياسية الهامة على الساحتين
الكردية والعراقية آنذاك. أدى ذلك الى فشل تلك
المحاولة ودخول البلاد دوامة العنف والقسوة
من جديد.
ساهمت حرب الخليج الثانية وانتفاضة
اذار 1919 الى خلق حالة جديدة في جزء مهم من
كوردستان العراق، يدير الكرد شؤون
منطقتهم في ظلها. ورغم كل الإنتقادات التي
يمكن أن توجه الى القيادات السياسية الكردية،
الا ان الإدارة الكردية لهذا الجزء من
كوردستان أظهرت بأنها نعمة قياساً الى عهد
سيادة البعث في كوردستان.