من هو السيد على هذه الأرض؟
د. عصام الخفاجي
قدم الدكتور عصام الخفاجي مداخلة
ثمينة، تركزت حول التساؤل أو السؤال لفهم
قضية السيادة ومن هو السيد على هذه الأرض، حيث
قدم استعراضاً تاريخياً موجزاً للقضية
القومية، واشكالاتها الوجودية على أرض
الواقع معززاً ذلك في العديد من الشواهد
التاريخية والواقعية لمحنة القومية واستبداد
الفكر القومي، وهنا نص بتصرف عن مداخلته:
(مداخلتي لا تختلف كثيراً عما طرحه الدكتور
جبار قادر، مع أنني لن أركز على الجانب
التاريخي المتعلق بالدولة العثمانية. سؤالي
قد يبدو ساذجاً جداً أو بديهياً وهو: ما هي
كردستان وما هو العراق، ولمن تعود السيادة،
ومن هو السيد على هذه الأرض؟. هذه أسئلة قد
تبدو ساذجة جداً ولكن لم نطرحها، لا
كعراقيين، والغريب حتى الكرد لم يطرحوها
لأسباب قد تبدو لي ولسوء حظ القضية القومية
الكردية أو الشعب الكردي، دفعوا إلى حالة من
الدفاع عن النفس لدرجة أنهم لم يتجرأوا أن
يطرحوا بصراحة وبشدة مفهوم "من هو السيد
على هذه الأرض!". طبعاً لم يكن مسؤولا عنها
الشعب الكردي، ولكن الحملات الإرهابية حتى
الفكرية التي جعلت طرح مثل هذا السؤال يبدو
وكأنه خيانة للإنتماء العراقي، أو محاولة
تفتيت، لم يطرح هذا السؤال، وعلى
أي أساس تعتبر هذه القومية أو تلك سيدة على
هذه الأرض؟.
حاولت أن أفكر بهذا الشيء من منظور
مقارن تاريخي، ومع بلدان أخرى في حالة قوميات
أخرى في بلدان تشبه بلداننا. كما تعرفون في ظل
الدولة العثمانية، كما في ظل الامبراطوريات
الأوروبية السابقة، أي قبل العصر الحديث، لم
تكن قضية القومية أو الأثنية هي المحدد
الأساسي للولاء، يعني هذه الامبراطوريات،
سواء كانت الأوروبية أو العثمانية (لم تكن
الامبراطورية العثمانية إستثناء للحالة التي
كانت سائدة في الامبراطورية النمساوية
الهنكارية على سبيل المثال، أو الامبراطورية
الفرنسية) كانت القضية القومية ثانوية تماماً
بالقياس إلى الولاء الديني، امبراطورية تحدد
على أساس الولاء للدين، كان الدين كما تعرفون
ليس مجرد إسلام ومسيحية، إنما يختزل إلى ما هو
أكثر من ذلك الكاثوليكية "السنية.. الشيعية
في حالة الدولة الفارسية" في حال بلدان
معينة، يخدم الحظ القوميات السائدة في أن
القوميات المتميزة تختلف دينياً عن القومية
السائدة، على سبيل المثال: الايرلنديون كانوا
يضطهدون ليس كايرلنديون وإنما ككاثوليك في
دولة تطغى عليها الكنيسة الألميكانية " وهي
فرع من فروع البروتستنتية" وهكذا. ونفس
الشيء كان بالنسبة للامبراطورية العثمانية،
يعني واقعة أن تكون شيعياً أو علوياً أو
درزياً هي أخطر بكثير من أن تكون كردياً أو
غير تركي، هي تبعد وتهمش أبناء الطوائف التي
لا تنتمي للتعريف السني للإسلام والدولة
الإسلامية، ينطبق نفس الشيء على السني في
الدولة الفارسية. ويعرف المؤرخون أن تكون
مسلماً تنتمي إلى طائفة غير الطائفة التي
تتبناها الدولة، وفي الحالة العثمانية
السنية، هو أسوأ بكثير أن تكون مسيحياً أو
يهودياً. كان هناك اعتراف بملل هي "أهل
الكتاب" ولها مؤسساتها المعترف بها من قبل
الدولة العثمانية، لها قضاتها ولها
قوانينها، ولكن في حالة الدروز والعلويين
والاسماعيليين والبهائيين كان الأمر أسوأ.
هذا لا يعني أنه لم تكن هناك ذرة تعالٍ
عنصري أثني، بمعنى أن القومية الغالبة في
الدولة العثمانية هي القومية التركية، ولكن
كان هذا يأتي بصورة ضمنية، كان الأتراك يأتون
أولاً، العرب باعتبار من نزل عليهم الكتاب
يأتون ثانياً، وتأتي بعدها القوميات الأخرى.
مفهوم القومية هو مفهوم أن تدمج.. ألاّ تدخل
ككردي أو كعربي، أن تدمج ضمن الجسم التركي
العثماني. وعلى هذا الأساس نجد مثلاً في حالة
سوريا. الكرد المستعربون لعبوا أدواراً
بارزة، وهناك أسماء كثيرة اليوم من أسماء
العوائل السورية "هي في الحقيقة في أصولها
من قادة الانكشاريين العثمانيين" ولكن
الذين مع الزمن استقروا في حلب ودمشق تنازلوا
(ليس بمعنى الخيانة) وإنما مع تتالي الأجيال
نسخت هويتهم الكردية، وانتموا إلى الجسم
العام الذي هو كان جسماً تركياً.
ماذا حصل بعد تأسيس الدولة الحديثة
العراقية؟.. حصل بالضبط الشيء المأساوي
الذي حصل في أوروبا نفسها "أنا أستفيد من
النظر إلى أوروبا كحالة تاريخية، وليس
اعتبارها مثالاً يجب أن يحتذى"، سيادة
الدولة القومية هنا في هذا الجزء من أوروبا
صاحبه قسر وصهر وتذويب للقوميات، لا نزال نجد
له آثاراً حتى اليوم، مع أن التطور الاقتصادي
والازدهار سمح بأن تدمج القوميات الاخرى
ويعترف بكيانها، ولكن تذكروا هذا الأمر قد تم
بعد مئات السنين وبعد تكريس مفهوم ضمني " إن
فرنسا ليس للبريتون وهم قومية أخرى، وان
اسبانيا ليس للكتلان أو للباسك" إن القومية
السائدة هي هذه، ونفس الشيء بالنسبة
لبريطانيا، نعم الآن يعترفون بوجود
الاسكتلنديين ومؤخراً تنازل حزب العمال
وأنشاً برلماناً للاسكتلنديين بعد عمليات
تاريخية دموية بشعة لا تقل في بعض الأحيان
الكثيرة عما جرى للقومية الكردية. هذا القول
أقوله لا بقصد تبرير لكن بقصد فهم، ولسوء الحظ
التاريخ مأساوي ودائماً يحمل بذور قذارة
العمل السياسي. التاريخ يمر عبر عمليات
مأساوية نادراً ما استطاعت القوميات
المضطهدة أن تقف وتعكس هذا المجرى. أقول هذا
ليس من باب التبرير من جديد، وإنما من باب أن
نستفيد من دروس أربعة قرون من التجربة، ونشوء
القومية الحديثة، وكيف يمكن للشعب الكردي أو
لشعوب أخرى مضطهدة (الأمازيغ حين أفكر بهم في
الجزائر والمغرب. وقسم منكم ربما لا يعرف هذا
التعريف "الأمازيغ" بهذا المعنى، ولكن
حين أقول الكلمة العنصرية التي تعارفنا على
تسميتها ستعرفون عمن أتكلم، عن البربر.. قومية
أسمها الأمازيغية تعارفنا على تسميتهم
بالبربر، ونسينا أن البربر تعني الوحوش). بهذا
المعنى حين أفكر بالأمازيغ في المغرب
والجزائر، وحين أفكر بالكرد وبقوميات أخرى
مضطهدة قد أتناولها في سياق هذا الحديث، نفهم
معنى الانتقال إلى الحكم المباشر، إلى الدولة
الحديثة القائمة على معنى القومية.
يجري الحديث عن النظام الملكي العراقي
بأعتباره قدم تطوراً، وخصوصاً في ظل الملك
فيصل الأول، وأنا سعيد كوني استمعت إلى
مداخلة زميلي الدكتور جبار وأعتقد بأنني لا
أكرر ما تحدث به. لاحظوا فقط جانباً آخر، صحيح
أن الكرد كانوا ممثلين في مجلس النواب ومجلس
الأعيان، وصحيح أيضاً أنهم صعدوا إلى مراكز
متقدمة في بعض الأحيان في الجهاز التنفيذي في
الدولة الملكية، ولكن لاحظوا كيف دخل الكرد
في هذا الجسم.. في الطريقة نفسها التي دخلوا
فيها في الجسم العثماني، بمعنى أنهم لم
يصعدوا كممثلين لقومية قائمة في هذا البلد،
دخلوا بعد أن أُدمجوا في جسم النخبة
الارستقراطية العراقية الحاكمة، بعد أن
استعربوا بمعنىً ما، حين نتذكر أن لدينا
رئيساً للوزراء هو أحمد مختار بابان، كان
لدينا وجوه كردية في ظل النظام الملكي، بكر
صدقي مثلاً، ولو كانت حالة استثنائية لأن
المؤرخين يشكون بـ "هل كان فعلا صاحب عواطف
عراقية صارخة كدكتاتور عسكري، أم أنه كان
ميالاً كما يقول المؤرخون القوميون العرب،
خصوصاً أنه كان يحمل نوازع قومية كردية" في
تقديري أنه لم يختلف عن أي مركزي مفرط
المركزية، كانت بالنسبة اليه العراقية تسبق
أي شيء آخر لم يكن يختلف عن أي عسكري من عسكريّ
حكم الملك غازي- وقد أكون مخطئاً بهذا الشيء،
لم يكن بالطبع قومياً عربياً، لكن كان من
هؤلاء العسكريين الذي لم يعط أهمية ما
للقومية الكردية، ووللمطامح القومية. لكن
يخطر في بالي مثال أحمد بابان وسعيد قزاز الذي
وصل إلى منصب وزير الداخلية وهكذا. هذه
الأسماء أدخلت بعد أن أُدمجت في جسم الطبقة
الحاكمة التي كانت خالية من التعابير
القومية، أو النزوع القومي، أو الدفاع عن
قومياتها نفسها، اصبحت جزءاً من ارستقراطيات
بغداد وأعرف بعض هؤلاء شخصياً معرفة عادية. لم
يكن في كثير من الأحيان (ولا أتحدث عن هذه
الأسماء بالضرورة) كانوا يخجلون من تعلم
اللغة الكردية، ويقولون نحن أبناء بغداد "نحن
بغداديون" وهكذا كأنما البغدادية أن أتكلم
بلغة أبناء بغداد التي هي بالطبع اللغة
العربية.
أول محاولة تغيير قد حصلت للأعتراف
بالكرد كممثلين لقومية كان ذلك في ثورة 14
تموز، ولكن سنأتي إلى أين تكمن المشكلة: "مأساة
التمثيل القومي وبالتالي الاعتراف بالقومية
الكردية كقومية قائمة في العراق".
ثورة 14 تموز لم تدخل المسؤولين الكرد بصفتهم
بيروقراطيين أكفاء مثل سعيد قزاز أو بصفتهم
سياسيين أُدمجوا ضمن المؤسسة الحاكمة مثل
أحمد مختار بابان، أدخلتهم بشكل ضمني كممثلين
للشعب الكردي. مثالي على ذلك يقوم على محورين،
أول تشكيل لما بعد ثورة 14 تموز أسس ما يسمى
بمجلس السيادة، مجلس السيادة طبعاً كان هيأة
عديمة السلطات، ولكن كانت ذات طابع رمزي في
انها تقوم مقام الملك أو رئيس الجمهورية، حتى
قيام نظام دستوري برلماني دائم... الخ. كان
تشكيل مجلس السيادة ذي دلالة رمزية هائلة،
الرئيس محمد نجيب الربيعي عربي سني، وهناك
نائبان له هما مهدي كبة شيعي عربي وخالد
النقشبندي كردي. كان التنفيذ أكثر عدالة
بمعنى ما أن يكون التمثيل الثلاثي السني
العربي والشيعي العربي والكردي قائماً، وفي
أول وزارة لثورة 14 تموز كان بابا علي الشيخ
محمود أبن الشيخ محمود الحفيد القائد
الاسطوري لثورات الشعب الكردي، كان ممثلاً في
الوزارة لا بصفته بيروقراطياً أو سياسياً
ولكن كان واضحاً محاولة تمثيل للشعب الكردي.
من الآن فصاعداً لا بد من أن يكون هناك كرد في
الوزارة، ولكن من يحدد من يمثل الشعب الكردي؟
ناهيك عن تمثيل الشعب العربي، أو الأجزاء
الأخرى، هنا تتحكم فيها أهواء الحاكم، وهكذا
رأينا في مرة من المرات قد تصيب الحالة فيختار
رمزاً محترماً من الشعب الكردي على سبيل
المثال "بابا علي الشيخ محمود" في مرة
ثانية يختار من هو الموالي لحزب البعث، بعد أن
توالت الأنظمة الجمهورية، وهكذا، نعم هناك
على الدوام أربعة وزراء كرد ولا نتحدث عن
أهمية الوزارات حيث لم يول وزير كردي وزارة
حساسة، ولكن حتى هذا التمثيل الكردي كان في
معظم تدهوره مع مسار النظام الجمهوري ليتحول
إلى رجل طيّع في خدمة النظام البعثي مثل السيد
طه محي الدين معروف أو غير ذلك.
هناك حياة مدينية ظلت قائمة منذ القرن
الـ 16 إلى سقوط الدولة العثمانية، لاحظوا أين
تبلورت المدرسة القومية العربية، ليس في مدن
العراق المتدهورة المنحطة حتى القرن العشرين.،
ليس حتى في المدن المصرية، في المدن السورية
وخاصة في دمشق ذات التقاليد المدنية التجارية
العريقة. حتى في حالة القضية الكردية، هناك
شعب كردي في كردستان التركية يتجاوزون ضعف
عدد كرد كردستان العراق، ومع هذا تبلورت حركة
القومية الكردية في كردستان العراق، وليس في
كردستان تركياً بسبب وجود السليمانية، وهنا
ومع اعتذاري للأخوة من غير سكان السليمانية،
حيث هنا لولا السليمانية أستطيع أن أغامر لما
قامت حركة قومية كردية، وما نضجت بهذا الشكل
النضالي. هذا لا يعني أن الحركة القومية هي
شيء جيد أو سيء، هذا يعتمد على موقفكم من
الحركة القومية وموقفي، ولكن يجب تقدير هذه
الوقفة، ومما عرقل نشوء الحركة القومية
الكردية هو ليس فقط عدم نشوء قيادة كردية. لو
تبلورت القضية الكردية لما وجدت أتباعاً لها
إن لم يكن هناك أساس اجتماعي يجعلهم يرون أن
هذه الدعوة هي دعوتهم، حين تنظرون إلى
الإستفتاء حول الملك فيصل الأول في سنة 1920
غالباً ما يقال أن الشعب الكردي بكامله قد
قاطع هذا الاستفتاء وبالتالي لم يعترف به. هذا
في الواقع، وأرجو ألا يفسر هذا الشيء أي تفسير
سياسي، أنا أقره من باب الواقع.. ان هذا الشيء
يجانب التاريخ.. لماذا؟ حيث لم تكن هناك مراكز
واعية وناضجة قاطعت مبايعة فيصل الأول، مثلما
حدث في السليمانية، ولكن في بهدنان كانت هناك
حالات كثيرة لشيوخ وأغوات وقعوا مضابط تبايع
الملك فيصل، ليس هذا لأن الشعب الكردي هناك
أقل تمسكاً بقوميته، وهذا الشيء حصل في
الجانب العربي أيضاً، كانت هناك مطالب ناضجة
في المراكز المدينية، ولكن كان شيوخ العشائر
العربية في وادٍ آخر غير مطالب الحركة
القومية العربية أو المطالب الاستقلالية
للعرب. وفي كردستان فأن هذا الانقسام الذي له
أسس اجتماعية لعب دوراً كبيراً في تشجيع
المؤامرات الانجليزية ومساعي الحكم الملكي
في فرض مركزية مفرطة على كردستان، وإخضاعها
في التدريج وتعويد السكان الكرد الذين لم
يتعودوا وبقوا يقاومون تعويدهم على نسيان
مطالب معاهدة سيرفرس وغير ذلك من التعهدات
التي عقدتها الحكومة العراقية في تلك الفترة.
أعود الآن إلى قضية الحقوق القومية،
فمع الزمن نسي السؤال الأساسي، وهذا الأمر في
الحقيقة في مجال عملي مع طلاب يعملون في
مجالات قوميات أخرى انتبهت إلى قضية لم أكن
أنتبه لها، في محاولة تحقيق ماهي كردستان..
ولمن تعود السيادة، الآن وبفضل الثورات
المتتالية لهذا الشعب وبفضل مقاومته
واستمراره على أرضه، لم يعد هناك أكثر النظم
شوفينية وعنصرية قادرة على نكران أن الشعب
الكردي يشكل أغلبية، يحاول علي حسن كيمياوي
ما يحاول، وبعد ثلاثين سنة من سلطة البعث
وقبلها محاولات عبد السلام عارف لتعريب
كركوك، وهي للآن بأعتراف الأجهزة شبه
المستقلة لا يزال 60% من سكانها كرداً، بمعنى
أن التعريب لم يعد حتى في منطقة مثل كركوك
ناهيك عن كردستان لم يعد ممكناً، وهذا ما
يدركه أكثر الأنظمة العربية عنصرية
ولا
أعتقد أننا سنشهد نظاماً أكثر عنصرية من
النظام البعثي.
ولكن يبقى السؤال أنه في أكثر
التنازلات كرماً التي قدمت للشعب الكردي،
قضية السيادة كانت على الدوام تغيّب ومن يذكر
منكم المؤتمر القومي العاشر لحزب البعث في
عام 1978 أي بعد ثلاث سنوات من إنتكاسة الثورة
الكردية اتخذ قراراً شديد الخطورة مع أنه مر
مرور الكرام، ولم ينتبه اليه لا العرب ولا
الكرد، لا تقدميون ولا رجعيون ولا غير ذلك،
اتخذ تعبيراً كان يشبه بالضبط التعبير الذي
استعمله الليكود الاسرائيلي في تعامله مع
الشعب الفلسطيني آنذاك، في أن الحكم الذاتي
هو حكم ذاتي لأبناء الشعب وليس للأرض، الأرض
هي على الدوام عربية، بالضبط كان
الاسرائيليون آنذاك يقولون هذا الشيء نفسه،
ان هذه أرض اسرائيل، نعم سنمنح حقوقاً
لعرب اسرائيل باعتبارهم مقيمين على أرض
اسرائيل، والليكود العربي المتمثل بحزب
البعث اتخذ بالضبط هذا التعبير نفسه الذي
يقول إن الأرض عربية، وهذا أيضاً مع كل
الأنظمة الجمهورية، كان هناك تأكيد ضمني
وصريح أحياناً أن العراق كأرض عربية، ولم
يسأل أحد من يحدد الأرض كيف تكون عربية أو
كردية أو المانية، هذه الأرض التي هي تربة
مثلها مثل أية تربة أخرى كيف أحدد جنسيتها إن
عزلتها عن شعبها. في مجرى عملي الآن ألاحظ أن
آسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي،
القضية القومية ملتهبة هناك ربما أكثر مما هي
ملتهبة عندنا، لاحظت على سبيل المثال بلداً
مثل جورجيا، الصراع على من هو الأقدم على هذه
الأرض هو عنصر رئيسي في تحديد ماهية هذه
الأرض، وسأعطيكم مثالاً في عنصر تحديد القضية
القومية الابخازية، وهي قومية داخل جورجيا،
اختراع التاريخ وإعادة كتاب التاريخ وتخيل
التاريخ هو عنصر رئيسي، إن لم يكن العنصر
الرئيسي في تحديد هل ابخازيا لها الحق في أن
تكون جمهورية مستقلة عن جورجيا أم لا،
والجورجيون يصارعون في المنطق ذاته، ابخازيا
الآن، من ينتمون إلى القومية الابخازية في
هذه المنطقة لا يشكلون غير 17% من السكان، ومع
هذا لا يعيرون أهمية كونهم أقلية تقل عن نسبة
الشعب الكردي في العراق، ومع هذا يطالبون بأن
تكون ابخازيا جمهورية مستقلة تقودها القومية
الابخازية، وبتقريب الشبه لكم كما لو أن
الشعب الكردي في العراق لا يطالب فقط بحقوقه
على أرضه، وإنما على العراق كله، بمعنى اننا
نشكل 25% من هذا الشعب لذلك فنحن سادة هذا الشعب
أو نحن القومية الرئيسية في هذا البلد.
المعيار الرئيسي الذي يتبعه هؤلاء هو اختراع
التاريخ، من هو الأقدم على هذه الأرض، هناك
مملكة جورجية قامت في العصر الفلاني ولكن
تعرفون في ذلك الوقت انها صحيح مملكة جورجية
ولكن العائلة المالكة هي ابخازية، فيعود
الابخازيون في تخيّل التاريخ ويقولون إن هذه
مملكة ابخازية بدليل أن الحاكم كان فلاناً
والعائلة المالكة كانت كذا.
الشئ الغريب في أن أقدمية الشعب
الكردي على هذه الأرض لم تطرح، لا من قبل
العرب ولا من قبل الكرد، وهذا هو الأسى والعجب
أن الشعب الكردي لم يطرح هذه القضية، أي بأي
معنى تتحدث عن أرض عربية أو كردية، إذا كان
المعنى عن الأغلبية فلا نقاش على أغلبيتنا
على هذه الأرض، ولكن إذا كان المعيار هو
التاريخ، فليس هناك أي مؤرخ مهما كان عنصرياً
لا يعترف بأن الشعب الكردي هم الأقدم والأكثر
رسوخاً في هذه الأرض، في حين تستطيع ويستطيع
مؤرخون محايدون ولا علاقة لهم بالفكر القومي،
أن يتتبعوا كيف أن قبائل (شمّر وعنِزة) هاجرت
إلى العراق في القرن الـ 17و الـ18 وكانت تشكل
آنذاك نسبة 10% من سكان ذلك الوقت، أي بمعنى ان
كل واحد من عشرة استبدل بمواطن جديد، ومع هذا
لا يناقش أحد الآن لماذا يكون لأبن شمّر
وعنِزة الذي هاجر إلى هذه الأرض في أن يحدد
لمن تكون السيادة. في رأي أن مفهوم المواطنة
والسيادة هو متفرع عن مفاهيم أخرى تضرب
بجذورها في التكون المجتمعي. فلو تطور
المجتمع العراقي شوطاً آخر سيتبدل مفهومه،
هذا المفهوم هو في الحقيقة المفهوم االقبلي
البدوي لمعنى السيادة.